المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 ريهام السيد علي محمد Headshot

عنوسة المجتمع

تم النشر: تم التحديث:

صورة لفتاة منكسة الرأس في ذل وانكسار وأصابع الاتهام تشير إليها وهي تتوارى من القوم خجلاً، قد تحسبها للوهلة الأولى ارتكبت جريمة من جرائم الشرف التي لا يغفرها مجتمعنا، فتشمئز منها نفسك على الفور، لكنك إن اقتربت ستجد اللافتة الإعلانية مكتوباً عليها جملة "أنتي عانس؟!" في صيغة استفهامية تعجبية، هذا هو عنوان حملة إعلانية تستهدف محاربة التمييز ضد المرأة - بحسب القائمين على الحملة - وتطالب الحملة الفتيات بأن يحكين تجاربهن مع العنوسة على صفحة الفيسبوك الخاصة بالحملة.

لا نعلم عن أي تجارب ستتحدث الفتيات، هل هي تجاربهن مع مجتمع لا يعلم عن المرأة سوى أنها إما متزوجة أو فاتها قطار الزواج بلا أمل في اللحاق به؟ أو كما سمّتها الحملة "عانس"، إن تخطت الثلاثين أو أحياناً الخامسة والعشرين بلا زواج.

هذا المجتمع الذي يلاحق المرأة لتتزوج أياً من كان، هروباً من ذلك اللقب المقزز، وستراً لعرضها -كما نسمع كثيراً- وكأن غير المتزوجة تحمل عاراً لا يفارقها أينما حلت، أم على كل فتاة أن تحكي السيناريو المُعاد في كل فرح لعائلتها؟ كسيول مصمصة شفاه الأقارب والطبطبة عليها، وتشجيعها أن "تشد حيلها"؛ لتلتقط أي عريس قبل إطلاق صافرة النهاية، معلنة انتهاء ماراثون الزواج والإنجاب المحموم، الذي قد سبقها فيه العديد من بنات العائلة الأصغر سناً.

كذلك على الفتاة أن تحكي تجربتها مع النظرة لها على أنها فتاة غير مرغوب بها؛ لذلك لم يقبل أي ذكر أن يرتبط بها حتى تخطت الثلاثين، فإن تفاجأ البعض أن تلك الفتاة جميلة، فالتهمة الأخرى الجاهزة أنها شخصية متنمرة، أو غالت في الشروط ورفضت نعمة الزواج، فزالت من وجهها.

ربما كانت المشكلة الرئيسية لمجتمعنا هي إلقاؤه لكل أنقاضه على عاتق المرأة، وملاحقتها طيلة الوقت، فحتى المتزوجة ليست بحال أفضل كثيراً ممن لم تتزوج، فقد يصفها البعض بأنها صائدة ماهرة، استطاعت أن تقتنص زوجاً من بين براثن غيرها من الفتيات، ثم يلاحقها مجتمعها إذا تأخرت في الإنجاب، وإن أنجبت لا يرضى عنها إلا حين تنجب الذكور وليته يرضى بعد ذلك أو يصمت؛ بل إن أساء أبناؤها، فلأن أمهم تحديداً لم تربهم جيداً.

كان هدف القائمين على الحملة الإعلانية كسر تابوه كلمة "عانس"، إلا أنهم في حقيقة الأمر قد وقعوا في نفس الفخ الذي سبقهم إليه المجتمع، فالذل والانكسار الظاهر على الفتاة في اللوحة الإعلانية لا يختلف كثيراً عن ذلك الذل الذي تتركه كلمة "عانس" في نفوس الفتيات.

كما خصت الحملة المرأة أيضاً - كما يفعل المجتمع - بذلك اللقب دون أن تطلب من الرجال الذين قد تخطوا الأربعين بلا زواج سرد قصصهم أيضاً، وكما لو كانت العنوسة لعنة لا تصيب إلا النساء، أما الذكور فمحصنون ضدها!

ربما كان من الأجدى أن تخاطب تلك الحملة المجتمع بُغية تغييره، بدلاً من أن تنساق وراءه وتطلب من الفتيات أن يحكين تجاربهن، فالأجدى حقاً للفتاة أن تتغير نظرة المجتمع للزواج ويبتعد عن التعصب والتشنج، حين تذكر أي امرأة أنها لا تنوي الزواج أو لا تريده، وكفى وصمها بصفات قبيحة كـ"مسترجلة أو متنمرة".

ربما معضلة ذلك المجتمع أنه لا يريد أن يعرف أن الفتاة لم تتزوج رفضاً لأوضاع اجتماعية أقل ما توصف به أنها ظالمة للمرأة، فها هي المرأة العاملة في بلادنا العربية تستيقظ من السادسة لإعداد الفطور لباقي أفراد المنزل، ثم تطاردهم جميعاً حتى تطمئن أن الجميع تناول فطوره وبعدها تساعد زوجها، الذي غالباً قد نسي أين ألقى فردة شرابه مع بعض من العصبية والشخط.

ويجب أن تتقبله هي حتى لا توصف بـ"الزوجة النكدية أم بوز"، ثم تذهب لعملها لتؤديه على أكمل وجه -أو كما يفترض بها أن تؤديه- وبعد الظهيرة وفي طريق عودتها من العمل، تمر على السوق لشراء احتياجات الأسرة، وعندما تعود فعليها أن تكون أيضاً بكامل أناقتها أمام زوجها، وفي نفس الوقت عليها إعداد طعام الغداء للزوج، الذي غالباً ما ينام بعد عودته من عمله، وبعد تناول الغداء، علينا أن نخمن من سيذاكر للأبناء، ومن سيذهب بهم إلى الدروس، ومن يحل جميع مشاكلهم الوجودية؟

ليس الأب كما نعلم جميعاً، فغالباً سيكون مشغولاً بالاستلقاء على الأريكة ومتابعة مباراة كرة قدم من التسعينات، إذاً فلم يتبقَّ سوى ذلك الكيان الذي يتم سحقه حتى آخر نَفَس فيه، ولا داعي أن يقول أحدهم إن المرأة هي من تركت المنزل، وهي من سعت إلى العمل، فالجميع يعلم جيداً أن البيت يعتمد على راتبيهما كليهما.

وإن كانت العنوسة تعني أن يفوتنا القطار، فالأولى إطلاق ذلك اللقب على مجتمعاتنا العربية التي فاتها قطارات عديدة، وتصر على عدم اللحاق بها.

ربما ليس سهلاً تغيير المجتمع بين ليلة وضحاها، خصوصاً عاداته الاجتماعية - وإن رآها الجميع بالية وتندر عليها الشباب والشيوخ - لكنها بالنسبة لهم تظل إرث الآباء والأجداد، والذي يستر عورات المجتمع ويحميه من الانزلاق إلى الهاوية - برغم أن المجتمع قد عاين العديد من الانزلاقات للمتزوجين؛ فمَنْ لديه استعداد للانزلاق سيفعل، متزوجاً كان أم لا، ولكن ما مشكلة المجتمع إن اعتبر الزواج كالصداقة مجرد علاقة اختيارية؟

فكما لكل امرئ حقه أن يصادق من يشاء أو لا يصادق البتة - بلا خوف أو ضغوط وبلا أي اتهامات - فلكل إنسان أيضاً رجلاً كان أم امرأة الحق في عدم الزواج، ومن المعلوم أن الإنسان لا يفعل الشيء إلا بقدر حاجته له، فكما يرى البعض في الزواج أولوية كبرى، قد يرى البعض فيه مجرد مشروع يُفرض فيه علينا شريك، والبعض ببساطة قد لا يجد طيلة عمره شريكاً مناسباً لذلك المشروع؛ لذا لا يقدم على المغامرة.

ولمن يشفق على من لم تتزوج، أرجوكم إن اعتقدتم أنها تعاني فلا داعي لشفقتكم تلك، فالمرأة أصل ومعنى الحياة بالزواج أو من دونه.

فضلها أعظم من الماء في حلق من أطال الصيام، ومن كل قطع الشيكولاتة التي تجعلك في أفضل مزاج، ومن الرواية التي تمتع كل من أدمنوا القراءة، وهي القيثارة التي لولاها لما عُزفت الألحان.

وأخيراً لولا الغضب العارم الذي تلا تلك الحملة وتسبب في إزالة صورة الفتاة الكسيرة، لربما كانت اللافتة التالية لامرأة أيضاً وبجوارها عبارة "أنتِ مطلقة!"، إذاً أنتِ صائدة للرجال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.