المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رهام الشريف Headshot

على بعد حجر من فلسطين يرتجف القلب

تم النشر: تم التحديث:

وَهَمَّت بي تلك الأفكار وحاصرتني تارةً في زاوية الغضب، وتارةً في زاوية الندم، ولكن حاولتُ الهروب منها بالبكاء بعيداً عن أنظار من حولي لعلها تطفئ الحُرقة التي أحسستها في صدري.
قالوا لنا إن الصورة بألف كلمة، ولكن هل لألف كلمة فقط أن تَسرد تاريخ بلد أو أن تُظهر حقيقة ما وراء تلك الصورة.

ذلك السور قد قسَّم حجراً واحداً إلى قسمين؛ فنصفه الأول تملكه بلد يجعله يذوق الأمَرَّين، ونصفه الثاني يتنفس الحرية في بلدٍ آخر، ولكن ما يزال هذان النصفان ملتصقين ببعضهما، يقبعان في نفس المكان على نفس خطى الطول والعرض.

تقف من مكانك وترى سيارات تمشي في ذلك الشارع، وتكاد لا تلمح منها أي تفاصيل إلا لونها، ولكنها تقف هناك متماديةً على عقولنا، وكأنها تقول لنا "نعم أمشي هنا على بعد كيلومتر منك أو أقل ولا تستطيع المساس بي"، ويرفض عقلك أن يتقبل فكرة وجود العدو المغتصب على بعد تلك الأمتار القليلة منك.. يمشي ويتبختر في شوارعنا تحت شمسنا وبين حقولنا.

بدأت الرحلة بغاية تتبع الفتح الصلاحي للقائد صلاح الدين الأيوبي في رحلته لفتح القدس الشريف، وكان الحماس في أوجهه والابتسامات تعلو الوجوه، وعقولٌ تسبح في جمال الطبيعة التي حَرمنا أنفسنا منها بحجة كثرة انشغالاتنا وصعوبة وتيرة الحياة.

بدأت في قلعة صلاح الدين الأيوبي، أو ما تُسمى "قلعة عجلون" أو "قلعة الربض"، فها هي تقف بشموخ فوق قمة الجبل في شمال الأردن، كما وكأنها حكواتي يجلس على كرسي قد تعالى عن بقية الحضور ليسمعه الكل وهو يروي قصة صمود، قصة طغى على ملامحها جمال المعمار ودقة التفاصيل الهندسية، تفاصيل جمعت الكنيسة والمسجد، قلعة ضمت داخل جدرانها مدينة متكاملة، فهناك نظام كامل لتجميع ماء الأمطار ليتدفق على عدة آبار تزود كافة أرجاء القلعة، وهنالك أيضاً برع الإحسان الهندسي بتقديم حلول بسيطة لتقسيم الغرفة الواحدة لغرفتين وأكثر بمساعدة كُوَات صُممت في الجدران، ولكن كل هذا لا يمنع أن يكون هناك سجن يضبط نظام الحياة فيحافظ على أمان هذه المدينة. الهواء عليل يخطف الأنفاس، تقف على أحد الشبابيك المطلة على ذلك اللون الأخضر المُلتفّ حول أسوار القلعة والمُمتد حتى سفح الجبل لتقول وعيناك متسمرتان في جمال هذا المنظر "سبحان الله!".

جمال تلك الرحلة في تَعالي أصوات الدهشات من الأشخاص في حافلة الرحلة، حيث إن العيون تهرع لتتبع جمال كل منظر ومَعلم، عبر زجاج النوافذ، حين يقول مشرف الرحلة "انظروا لتلك المنطقة.."، سحر الأماكن لفت أنظار الأطفال والنساء والرجال من كافة الأعمار والخلفيات المهنية والدراسية.

وكانت إحدى المحطات "الباقورة" -وهي قرية في الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة أربد الأردنية- تمتد لمساحة ستة آلاف دونم غرب نهر الأردن، لا تستطيع دخولها إلا بإبراز الهوية الشخصية، يُمنع فيها التصوير وتبقى تسير بين مزارعها في مسار واحد بوسيلتك للتنقل، إلى أن تصل ما يشبه استراحة أو مركز لاستقبال الزوار، حيث شرح لنا ذلك المسؤول تاريخ هذا المكان وفي صوته جمود يمنعه من الضعف.. شرح كيف أن "بنحاس روتنبرغ" الصهيوني أخذ حق امتياز استغلال مياه نهري اليرموك والأردن بحجة توليد الطاقة الكهربائية ضمن مشروع "روتنبرغ" من الانتداب البريطاني سنة 1921 ليشمل هذا الاغتصاب قرية الباقورة، ومن ثم سرد تفاصيل استردادنا على ما يقارب الثمانمائة وخمسين دونماً من أصل ستة آلاف ضمن اتفاقية وادي عربة سنة 1994 لتصبح "الباقورة المستعادة". كيف أن الصهاينة ما زالوا يدخلون هذه الأراضي لأغراض استثمارية فقط، الاستثمار في زَرع مُقزَّم يموت خلال بضع سنين قادمة، ما يجعل منهم المستفيد الأول لهذا الإنتاج في بلد دنست أقدامهم طُهر ترابها.

صدقاً لم أعلم قبل زيارتي لها عن وجودها هناك إلا ما قرأته وسمعته عن الواقعة المشرفة للجندي الأردني أحمد الدقامسة، ولم أكن أدري بجمال هذا الجمال وهواء هذا المكان وشمس هذا المكان وخضرة هذا المكان.

في ذلك المكان كنت أقرب ما يمكن من فلسطين المحتلة فلم تفصلني عنها إلا بضع أمتار، أرى تلك المستوطنات من مكاني هذا تقبع فوق تلك الجبال وأكاد أشعر بحركتهم داخل بيوتهم، وأتخيل ممارستهم لحياتهم بشكل طبيعي غير مكترثين لوجودنا في هذه البقعة.

واستمرت رحلتنا لبقعة أخرى.. وهي نهر اليرموك الذي تم الاتفاق أيام الانتداب البريطاني على أنه الحد الفاصل بين الأردن وسوريا، يفصل اليوم بين سوريا المحتلة وحرية الأردن. ولكن بقي سؤال واحد يجول في خاطري "هل يعيش هناك وراء ذلك الجبل في الأراضي السورية أشخاص سوريون أم يهود؟"، وكم هو محزن هذا السؤال عندما كانوا يتناوبون من حولي بالرد عليه، وأكاد أرى في عيونهم تلك الحيرة، وهي نفس الحيرة التي تدور في عقلي، فكلانا نبحث عن جواب يُجمّل الحقيقة ولا يعبر عن الحقيقة المرة المجردة.

على الجانب الأردني وحيث تم الاتفاق منذ حوالي الثلاث سنوات مع الجانب الصهيوني، أن يتم بناء المنتجعات السياحية على ضفاف نهر اليرموك، وذلك لتشجيع السياحة والاستثمار وليحظى الشعب برؤية روعة وجمال تلك المناطق. لا أدري إن كان محزناً أو طبيعياً وجود هذا المنتجعات، حيث إنها نقلت فكرة أننا أمام سوريا المحتلة، وأمام ذلك السور الشائك الذي يحيط جبالها، وأمام حق عربي سوري وأردني أن تكون هذه الأراضي لنا، إلى فكرة سياحة وانبساط ورحلات عائلية تعلو صوت الأغاني والطبل بين طاولاتها وأصبح كل شيء "عادي".

انتهت رحلتنا في أم قيس التابعة لمحافظة أربد، وبالتحديد على مقربة من بحيرة طبريا، هناك حيث حلَّق حُلم كل شخص فينا في سماء الله الواسعة.. جلست وسرَحت في ذلك المنظر عند مغيب الشمس وما انفك عقلي عن التفكير بأن تلك البيوت المضاءة هناك على الضفة المحتلة من طبريا، هي بيوت الحياة اليومية للمغتصب، هي أضواء تثبت وجودهم غير الشرعي، قد تكون أضواء قاعة لأحد أعراسهم أو ربما أضواء مدرسة يتشربون فيها الطلاب فكرة حقهم الزائف. تعالت وتعالت أصوات الأفكار إلى أن جاء صوت يخترق هذا الزِحام ويقول "هيا بنا لقد انتهت الرحلة، سنتجه عائدين إلى عمَّان". لا لم تنتهِ الرحلة ولقد بدأت الآن، وأي رحلة تبدأ في انتهائها؟ تبدأ في تغيير المنظور والاستجابة للأحداث، تبدأ رحلة السعي لوضع نقطة في بحر الحق، رحلة المحروم من رؤية فلسطين لأن عليه أن يأخد تأشيرة من المغتصب.

هَمَّت بي الأفكار وأنا متأكدة أنها هَمَّت بك أيضاً الآن، ولكن ماذا بعد؟ هل حاصرتك في زاوية الركود وقلة الحيلة أم دفعتك إلى زاوية السعي؟ وكما يقول المثل "لا يضيع حق وراؤه مطالب"؛ فلسطين هي الحق وأنت من ستطالب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.