المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رحاب حمدي Headshot

أﻧﺎ ﻓﻲ ﻋﯿﻮن ﺻﻐﯿﺮي

تم النشر: تم التحديث:

هناك لحظات یتوقف عندها الزمن، أو بالأحرى نتمنى أن یتوقف عندها، لحظات میلاد بعض المشاعر بین جنبات القلب، هناك في العمق؛ حیث لا یستطیع الوصول إلا ما هو صادق جداً ونقي جداً.

أتأمله بعد أن یغفو، أتأمل ملامحه الصغیرة، عینيه، أنفه، فمه الذي یبتسم عفویاً وهو نائم، كأنما یأبى إلا أن یشاركني لحظاتي بحضور خفیف یلیق ببراءته.

لقد أنهكني الیوم من فرط حركته وطاقته التي لا تنفد، أتأمله وهو نائم بین ذراعي هادئاً وجمیلاً، مستسلماً لي، یحرك یده فیمسك إصبعي ویتشبث به.

أعطي لنفسي متعة احتضانه طویلاً وهو نائم حتى تشبع روحي منه، تلك الرفاهیة التي لا أحظى بها طوال الیوم؛ حیث لا یلبث أن یجري مواصلاً لعبه واستكشافاته في أرجاء البیت.

أتأمله وأبتسم وأنا أتذكر تفاصیل یومنا معاً؛ ردود فعله العفویة، كلماته الجدیدة التي یتعلمها، محاولته تغییر الموضوع عندما أعلق له على شيء أوقعه أو كسره بالخطأ، مواقفه البریئة في التعامل مع محیطه، تفاصیل تخلق روحاً للیوم.. روحاً منه وروحاً لي.

ضممته إلى صدري وشرد ذهني في تفاصیل وذكریات أخذت حیزاً من القلب أكثر مما أخذت من الزمان والمكان.

رجعت بالذاكرة أكثر من عامین حین كان ما زال جنیناً بداخلي، وبالتحدید في الشهر السادس من الحمل، ما زلت أتذكر هذا الموقف جیداً.. نال مني الإرهاق یومها، جلست على الأریكة المواجهة للنافذة أتأمل أشعة الشمس وهي تخفت رویداً رویداً.

یمر الوقت ببطء شدید وروحي المنهكة لا تقوى على فعل شيء، امتدت یدي إلى هاتفي أتصفح الفیسبوك، ربما لم أكن أقرأ شیئاً حینها، فقط أقلب وأقلب لعل الوقت یمر أسرع، فجأة استوقفني مقطع فیدیو قصیر أضاء بداخلي نوراً كان أوشك أن ینطفئ.

كان الفیدیو مختصراً عن رحلة الحمل، لكن من زاویة فریدة، لم یكن من الناحیة العلمیة التي توضح مراحله، ولا حتى حكایة ترویها الأم من جهتها، إنما كان على لسان حال الجنین، مقطع فیدیو لم أملك دموعي أمامه حینها؛ لأنه وافق احتیاج قلبي تماماً.

مع بدایة الحمل تبدأ تتخلق فینا عاطفة الأمومة، تلك التي أسمى ما یمیزها العطاء دون انتظار المقابل.

مضت ستة أشهر وأنا أعرف جیداً كیف أشعر تجاه ابني الذي یكبر بداخلي، أعرف جیداً ما الذي یجب عليَّ فعله لأجل سلامته، أكتب له الرسائل وأحضر كل ما یلزم للقائه؛ لكي یلیق بهذا الانتظار الطویل.

ستة أشهر یتعلق الأمر كله بي أنا، من ناحیتي أنا، بعفویة تامة ورضا وسعادة مع تنامي مشاعر الأمومة بداخلي یوماً بعد یوم.

لكن یبدو أن الذبول الذي أصابني في هذا الیوم كان احتیاجاً جارفاً لاستقبال شعور ما، احتیاجاً ساعدني على فهمه مقطع الفیدیو ذاك بتفاصیله التي تحكي عن تفاعل الجنین مع أمه في الحمل، عن استمتاعه بالموسیقى التي تسمعها، عن شكره لأمه على شرب كوب الحلیب، عن انتظاره لقاءها، عما یود أن یخبرها إیاه، عن اعتذاره منها إن كان سبباً في آلامها وتغیراتها الجسدیة الكثیرة التي تطرأ علیها.

تفاصیل صغیرة جداً، لكنها تفیض بالجمال، استطعت من خلالها التغلب على كل ما أصابني من تعب، وأزهرت بقلبي نبتة جدیدة أعادت لي جمال الحیاة رغم كل صعوبتها.

ومن یومها.. أدركت كیف أغذي روحي من ابني وكیف أستقوي به على ضعفي، صرت أجتهد في أن أراني بعینیه، وأحاول أن أزید من جمال هذه الصورة ما استطعت إلى ذلك سبیلاً.

صرنا في علاقة تبادلیة من التواصل منذ ذلك الحین، صارت كل ركلة له أفهمها رسالة یخبرني بها فأرد علیه كما فهمت قصده.

والآن صار عمر ابني عامین، ربما لا یستطیع التعبیر عن حبه لي بكلام كثیر أو مواقف كبیرة، لكنني أكتفي جداً بما تنطق به عیناه، وبما یخبرني به احتضانه لي والتفافه حول عنقي حین لا أبدو بخیر، وكأنه یقول أنا هنا من أجلك، وبالفعل لا یتركني حتى أبتسم.

هذا النوع من الاتصال بیننا وهذه المعاني التي أستقیها منه تملأني بالحیاة حین یوشك الذبول أن ینال من روحي، هذه المواقف البسیطة لا أكتفي أن أعیشها مرة واحدة، بل أغمض عینيّ وأظل أتذكرها مراراً وتكراراً حتى أرتوي.

أتذكر حین كان مریضاً، حرارته مرتفعة ولا یستطیع النوم من فرط التعب، جلست أضع له كمادات باردة على جبهته؛ لتساعد في خفض الحرارة، امتلأت عیناي بالدموع، وتغیر صوتي فصار ملیئاً بالخوف والاضطراب، وإذا به وسط تعبه وبكائه ینتبه لي فیمد یده ویمسك بیدي، وینظر في عیني، ویقول: مامااااااااااااااااااا؟! كأنه یعاتبني، لا تحزني سأكون بخیر.

لا أستطیع أن أنسى تلقائیة رد فعله حین یراني أرتدي شیئاً جدیداً فیتلمسه بعنایة ویقول لي: واااو جمیییییل!

أتذكر كذلك لحظات تعلمه للكلمات الجدیدة ونطقه المتلعثم لبعضها، یأتي لیخبرني بها فأفهم قصده وأقول له الكلمة صحیحة النطق، فیبتهج ویضحك كأنما یخبرني أنت من تفهمینني.

وفي صباح بعض الأیام أفیق على قُبلته لي فتكون ابتسامته هي شمسي التي تشرق فتنیر یومي بأكمله.

هو مقتنع تماماً أن هذه هي الطریقة لإیقاظي أن یقّبلني فأفتح عیني حتى إنني ألاعبه أحیاناً فلا أفتح عیني بسرعة فیظل یقبّلني ویقبّلني حتى أفیق وكأنه یخبرني: لا أرید لیومي أن یبدأ دونك.

وبالأمس القریب.. أوقع بعضاً من الطعام على الأرض فعاتبته وطلبت منه بحزم أن علیه أن یلتقط ما أوقع ویضعه في سلة القمامة، وبمجرد تغیر نبرة صوتي للحزم والجدیة، خاف أن أغضب منه، فأسرع إليَّ من بعيد واحتضنني وقبَّلني؛ كي أؤكد له أني لست غاضبة منه، فاحتضنته مخبرة إیاه: ماما تحبك، لكن هذا التصرف خاطئ؛ لذا علیك تنظیف المكان، بحب وتشجیع أزال أثر ما أوقعه وكان سعیداً جداً بذلك.

وهنا ألهمني أحد التوجیهات التي كنت قد قرأتها وهي ذم التصرف الخاطئ ولیس الطفل ذاته.

كل أم لدیها حكایات وتفاصیل كثیرة عصیة على الحصر من كوالیس الحیاة الیومیة، لكن یبقى أن نستفید من هذه المواقف قدر الإمكان، نستفید منها بمراجعتها في نهایة كل یوم وإدراك آثارها الإیجابیة والسلبیة لتجنب الخطأ وتعزیز الصواب.

نستفید منها كذلك لنتزود بطاقة حب مضاعفة تساعدنا أن نتحّمل عبء التربیة السلیمة وكلفتها النفسیة التي تتطلبها منا، نستفید منها لنكون أقدر على الصبر الجمیل مع أبنائنا، فنتجاوز صغیر أخطائهم، ولا نصب فیهم غضبنا على مواقف لا تستحق.

الصبر الجمیل الذي یلهمنا إجابات أسئلتهم الكثیرة، ویجعلنا أقدر على التعامل مع عنادهم الشدید، ویضبط انفعالاتنا التي ربما تهدم ما بنیناه فیهم طویلاً.

ویبقى أن صورتي في عیني صغیري مستوحاة من جمال روحه وبراءته وفطرته النقیة، لكنها یوماً بعد یوم تزداد فیها المساحة التي تعكس أثر طریقة تعاملي معه، فالثمرة نتاج الغرس.

وهذا یزید مسؤولیة كل أم ویوجهها لتجعل تصرفاتها الیومیة صغیرها وكبیرها تحت رقابتها ومتابعتها الذاتیة، فإن انفعلت اعتذرت من الطفل، وإن غابت عن طفلها طویلاً أظهرت كامل شوقها وموفور حبها لحظة عودتها في عناق طویل واهتمام مركز یعوضه غیابها.

المسؤولیة تزداد في نظري لأبعد من ذلك أیضاً، تمتد لأثر الحاضر على المستقبل البعید، وكیف لقرارات الیوم أن تساهم في نظرة ابنك لك في المستقبل.

ذات یوم وأنا أفكر في إعادة صیاغة أولویات حیاتي متأرجحة بین أولویة الأسرة وأولویة طموحي المهني والشخصي، وبالرغم من أن قرار أولویة الأسرة أولاً كان لا جدال فیه كثیراً بیني وبین نفسي، فإنني كنت أحاول رؤية الصورة بنسق متكامل، جاءتني فكرة حینها أن الأسرة هي ملهمتي ودافعي الذي یمدني بالطاقة في إنجاز طموحي المهني والشخصي وغیرها لا أن تكون عائقاً في الطریق كما یظنها البعض.

فقررت أن أثابر لأجل كل حلم أریده وأحیله حقیقة، وألا أترك العنان للأیام أن تسحب مني هویتي التي تبغي أن تترك أثراً في هذا العالم، قررت أن یكون هذا لأجل ابني؛ لكي لا أدع فرصة لنفسي لأحمله مسؤولیة أنه حرمني نجاحي، وأن سنوات عمري انقضت في رعایته فقط؛ لكي لا أدع مجالاً لأي دافع إرادیاً كان أو لا إرادیاً أن یوجهني لأصب أحلامي الشخصیة فیه وأحمله عبء تحقیقها لي فأظلمه وأحرمه تحقیق ذاته وصیاغة أحلامه على طریقته التي تلیق به.

هذا لا یمنع أن هناك أمهات سعداء جداً بقضاء جُل عمرهم في تنشئة أبنائهم ورعایتهم وتخریجهم للمجتمع أصحاب رسالات وقیم، لكنني هنا أكتب عني وعن أحلامي تلك التي ستظل تؤرقني حتى تصبح جزءاً من الواقع.

قد تبدو فكرة "أنا في عیون صغیري" مستجدة على إدراك من یعشن تجربة الأمومة للمرة الأولى، إلا أن وجودها یضفي مزیداً من الدفء الذي ربما تجور على مساحته المسؤولیة في إیقاع حیاة متسارع.

ولأن المهام تزداد، والطاقة تقل، والتقصیر مرفوض، ولا بد أن نكمل الطریق، فكل هذا لنخلق بداخلنا منبعاً یمدنا بالطاقة بدلاً من أن نتسابق في تعدید الأعباء دون إیجاد طریقة لحملها أو التغلب علیها.

لا تبحثوا عن مصادر تمدكم بالطاقة بعیداً جداً، وتنسوا ما هو بقربكم كل یوم یغمركم بالحب والجمال ویملأكم بالحیاة، لكن ینتظر منكم أن تحسنوا قراءة إیحائه، والوصول إلى المعاني الكامنة وراء تفاصیله الصغیرة.

صورة كل أم في عیون صغیرها كفیلة بأن تخلق فیها حیاة فوق الحیاة؛ لأنها حتماً جمیلة بقدر جمال كل أم، وبراءة كل طفل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.