المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم يوسف  Headshot

عن ثلاثية غرناطة

تم النشر: تم التحديث:

عندما أخبرتني صديقتي رنا القواسمي عن مدى روعة رواية ثلاثية غرناطة للكاتبة والروائية رضوى عاشور، اعتراني الفضول وآثرت قراءتها، فقد ظلت أياماً طويلة تحكي لي دقتها وروعة وصفها وكيف نالت الكاتبة عنها جائزة أفضل رواية عن معرض الكتاب في القاهرة 1994 ومعرض المرأة العربية سنة 1995.

ظننت أني على موعد مع رواية تحكي قصة حب بين شاب وفتاة على أعتاب غرناطة، أو على ضفاف نهر شنيل عند قصر الحمراء العظيم. قصة حب سيخلدها التاريخ أشبه بتلك التي نسمعها عن روميو وجولييت، عنتر وعبلة أو قيس وليلى، ولكن بنكهة أندلسية.

ما إن بدأت القراءة حتى وجدتها مختلفة تماماً عما دار في مخيلتي، فهي تحكي قصةً عن العشق فعلاً ولكن عن عشق الشعب لغرناطة، بحماماتها وأنهارها وشوارعها، بوراقيها ونجاريها، بأطفالها، بنسائها السمراوات وشبابها الشجعان.

تحكي قصة عن الأندلس المفقود عن تراث أجدادنا الذي ضاع بيدي القشتاليين، تحكي مقاومة شعب البيازيين للمغتصبين، عن مخطوطات وكتب حرقت ورميت في الأنهار وقت الغروب. تصف بكل دقة روعة غرناطة بقصورها ونخيلها الباسقة وشمسها النقية حين دنس طهرها القشتالة، فغدت ساكنة صامتة لا بشر، لا دواب، لا طيور، وأبوابها مغلقة كأبواب القبور.

استوقفتني غرناطة! كيف ضاعت أطلالها؟ كيف أجبر القشتالةُ أهلها على التنصر؟ كيف بكى الشباب قبل الشياب على طقوس التعميد بالإكراه؟ كيف صلّت النساء العيد سراً، كيف خبزوا الكعك في آخر الليل؟ كيف تزوجوا على الطريقة الإسلامية، وكيف صاموا وصلوا واعتكفوا؟ كل ذلك سراً في سبيل الحفاظ على ما تبقى من الإسلام في قلوبهم، عن هويتهم، لغتهم وحتى أسمائهم التي أجبروهم على تغييرها. ومع ذلك لم يتخلوا عن ذرة توحيد لله أو عن حب لرسول الله. لم يهنوا أو يضعفوا بل قاموا في وجه الاغتصاب والاحتلال.

سرحت لبضع دقائق هل نحن فعلاً أحفاد هؤلاء الشجعان؟ أين كنا وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. لقد تشردنا وتشتتنا يا رضوى عاشور. لم تضع غرناطة فقط، بل ضاعت القدس والشام وبغداد واليمن ومصر. ضاع النيل والفرات وطبريا ونهر العاصي. ضاع الشباب والأطفال والنساء. بعد أن كان اليهود أعداؤنا أصبحنا أعداءً لبعضنا بعضاً. تمزقت أعلامنا وضاع تراثنا وتهدمت مساجدنا، صوامعنا ومعابدنا.

بعد أن كنا ندافع من أجل الله وكلمة الله، أصبحنا نقاتل من أجل كرسي، من أجل جماعة ومن أجل تنظيم. اختلط الحابل بالنابل كما يقولون، لم نعد نعرف من هم على صواب ومن على خطأ، من هم أصحاب الحق ومن هم الدخلاء. لماذا بدأ القتال؟ وكيف انتشرت الفتنة؟ ما أهدافهم وما مطامعهم؟ هل يعقل أن نأكل بعضنا بعضاً من أجل حكم أو رئاسة؟ هل يعقل أن نبيع ديننا وضميرنا من أجل حفنة من السياسة؟ كل هذا من أجل كومة من الأوراق توضع أمامكم لتوقعوا عليها في آخر النهار؟ كل هذا من أجل احتفال في البلد الفلاني وعشاء مع الرئيس الفلاني؟

أبشركم فقد احتفلتم فوق جثث شعوبكم، وأقمتم الولائم على أرواحهم بجوار أنقاض مدنكم المدمرة، وإلى جانب حضارتكم المندثرة. أبشركم فقد أبكيتم صلاح الدين، عمرو بن العاص وطارق بن زياد في قبورهم.

لا أدري هل أرثي غرناطة كرضوى أم أرثي ألف مدينة كغرناطة. سيسألنا الله عن كل شيء صنعناه بأنفسنا وبلادنا. عن كل دمعة ذرفتها أمهاتنا، عن طفل شرد على الطرقات دون طعام، عن كل شخص لم يهنأ بالمنام، عن كل معاهدة كاذبة باسم السلام. عن الزيتون والتين، عن حبل الأخوة المتين، عن الشام ومصر وبغداد وفلسطين. عن كل حبة قمح، عن كل سيف ورمح. عن كل جريح وأسير ولقيط ومشتت ومشرّد. سيسألكم الله عن أيمانكم التي حلفتموها على كتابه عند تنصيبكم رؤساء ومسؤولين.

بعد كل الدماء التي استوقفتني في بلادنا العربية أقتبس من رضوى قولها: "كأن الأيام دهاليز شحيحة الضوء كابية يقودك الواحد منها إلى الآخر فتنقاد، لا تنظر شيئاً. يلازمك ذلك الفأر الذي يقرض خيوط عمرك. تواصل، لا فرح، لا حزن، لا سخط، لا سكينة، لا دهشة أو انتباه، ثم فجأة وعلى غير توقع تبصر ضوءاً تكذبه ثم لا تكذّب، ثم خرجت إلى المدى المفتوح ترى وجه ربك والشمس والهواء. ثم تتساءل: هل كان حلماً أو وهماً؟ أين ذهب رنين الأصوات، والمدى وقرص الشمس المتقد في النهار؟ تتساءل وأنت تمشي في دهليزك من جديد".

(وتتابع رضوى في روايتها اقتباساً من قصيدة محمود درويش (أحد عشر كوكباً) "
في الْمساءِ الأخيرِ على هذه الأرضِ نَقْطَعُ أيَّامَنا
عن شُجَيْراتِنا, ونَعُدُّ اُلضُلوعَ الَّتي سَوْفَ نَحْمِلْها مَعَنا
وَالضَّلوع الَّتي سَوْفَ نَتْرُكُها، ههُنا... في الْمساءِ الأَخيرْ
لا نُوَدِّع شَيْئاً, ولا نَجِدُ الْوقْتَ كَيْ نَنْتَهي...
كُلُّ شَيْءٍ يَظَلُّ على حالِهِ, فَالمَكانُ يُبَدِّلُ أَحْلامَنا وَيُبَدِّلُ زُوّارَه. فَجْأًةً لَمْ نَعُدْ قادِرين على السُّخْرِيَة
فالْمكان مُعَدُّ لِكَيْ يَسْتَضيفَ الْهَباءَ... هُنا فِي المساءِ الأخيرْ
نتملى الْجبال المُحيطَةَ بِالْغَيْم: فتَحٌ... وَفَتْحٌ مُضادّ
وَزَمانٌ قَديمٌ يُسَلِّمُ هذا الزّمانَ الْجَديدَ مَفاتيح أًبْوابِنا
فادْخلوا, أيَّها الْفاتِحونَ, مَنازِلَنا واشْرَبوا خَمْرَنا
مِنْ مُوشَّحِنا السَّهْلِ. فاللَّيْلُ نَحْنُ إذا انْتصَفَ اللَّيْلُ, لا
فَجْرَ يحَمْلُهُ فارسٌ قادمٌ مِنْ نَواحي الأذانِ الأَخيرْ
شايُنا أَخَضْر ساخِنٌ فاشْرَبوهُ, وَفُسْتُقنُا طازَجٌ فَكُلوه
والأسرَّةُ هذا الْحِصارِ الطِّويلِ, ونَامُوا على ريشِ أَحْلامِنا
ألمُلاءات جاهزةٌ, والعُطورُ على الْباب جاهزةٌ, والمرايا كَثيرَة
فادْخُلوها لنَخْرُجَ مِنْها تَماماً, وَعَمّا قَليلٍ سَنَبْحثُ عَمّا
كانَ تاريخَنا حَوْل تاريخكُمْ في الْبلاد الْبَعيدَة
وَسَنَسْأَلُ أَنْفُسنا في النِّهاية: هَلْ كانتِ الأنْدَلُسْ
ههُنا أمْ هناكَ؟ على الأرْضِ... أم في الْقَصيدَة؟

وأنا أقول لكم في المساء الأخير اجمعوا ضلوعكم وأعيدوا تركيبها، كونوا كالجسد الواحد والقلب الواحد ضد عدو واحد، وحّدوا صفوفكم، احقنوا دماءكم. كفانا موتاً وضياعاً ودماراً. نريد عيشاً كريماً لا أكثر، نريد مجداً وحضارة ونصراً. لا نريد أن نكون ضحايا كراسيكم الخشبية البالية فأنتم لستم مخلدون، أنتم مخلوقات فانية حالكم حال الجميع.

استعيدوا وعيكم وأمسكوا أيديكم فاغتصاب القشتالة يتكرر ولكن ليس كثلاثية غرناطة، بل رباعية أو خماسية عربية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.