المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم يوسف  Headshot

طفولة إلكترونية

تم النشر: تم التحديث:

كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، ولا يحلو الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام، سأحكي لكم قصة ليلى والذئب والتي تعد إحدى القصص الشهيرة للكاتب الفرنسي شارل بيرو، والتي نالت شهرةً كبيرةً، حيث إنها تتحدّث عن فتاة تُدعى ليلى التقت مع ذئب في الغابة وتدور أحداثها كما يلي:

في إحدى القرى البعيدة كانت هناك فتاة صغيرة تدعى ليلى، شقية مشاغبة وجميلة تحب كل شيء باللون الأحمر. تحب التوت الأحمر والتفاح الأحمر والعنب الأحمر، وحتى في لبسها كانت لا ترتدي إلا رداءً جميلاً أحمر. في يوم من الأيام طلبت والدة ليلى منها أن تذهب لزيارة جدتها المريضة وأعطتها سلة من القش بها بعض العصير والمربى والكعك، وقبل أن تخرج حذرتها مراراً وتكراراً من التحدث إلى الغرباء، وقالت لها: لا تحدثي أحداً يا ليلى واحذري من الذئب. أجابتها: حاضر ماما.

سارت ليلى في الغابة وأخذت تغني، وفي أثناء ذلك وعلى حين غفلة كان الذئب يصول ويجول عندما سمع صوت غنائها، فاختبأ خلف الشجرة وأخذ يراقبها ويفكر بصمت قائلاً: إنه يوم سعدي فقد وجدت مطلبي، فتاة صغيرة وحيدة ولا أحد معها، سأصطادها لعشاء الليلة.

أخذ الثعلب يفكّر كيف سيأكلها، وفجأة خرج لها من خلف الشجرة قائلاً: مرحباً يا ذات الرداء الأحمر ماذا تفعلين وحدك هنا؟ أجابته بكل براءة: أنا اسمي ليلى وقد أرسلتني أمي إلى منزل جدتي فهي مريضة ولا تستطيع الحركة.

قالها لها: وأين تسكن جدتك؟ أجابته: في آخر الغابة في كوخ صغير، ولو علمت أمي أني أخبرتك ستغضب. قال لها: وكيف ستعلم هذا سر بيننا، وأنا أريد مساعدتك يا عزيزتي، اسمعي يا ليلى يجب أن تأخذي معك بعض الأزهار لجدتك فستفرح كثيراً.

قالت ليلى: ومن أين أحضرها؟ أجابها قائلاً: على أطراف الغابة هناك الكثير من الأزهار الجميلة أحضري بعضها فهي قريبة من بيت جدتك، أما الطريق التي كنتِ ستقصدينها فهي بعيدة جداً.

صدقت الطفلة كلامه وغادرت مودعة الذئب بكل فرح وسرور، وأخذت تجمع أزهاراً للجدة.

وصلت ليلى بعد ذلك إلى البيت، دقّت بابه ودخلت، فرأت الذئب نائماً في فراش جدّتها، مدعياً أنه هي، فأخذت ليلى تستفسر عن شكله، وأمطرت الذئب بوابل من الأسئلة عن شعره وصوته لون عينه وعن ملامحه لماذا تغيّرت، وكان يجيبها: لأنني مريضة يا طفلتي.

وفجأة همّ الذئب بأكلها فخرجت وهي تصرخ، واستنجدت بأوّل شخص رأته، وكان حطّاباً يعمل في الغابة، فسارع لإنقاذها وإنقاذ جدتها وقتل الذئب، وبكت ليلى بحرقة واعتذرت من جدتها ومن عائلتها وشكرت الرجل على مساعدتها، ووعدت والدتها بعدم تكرار ذلك مرة أخرى.

كانت هذه أحداث قصة ليلى والذئب والتي توارثتها الأجيال، فعند سماعها كنا شعر بالخوف فلا نحادث الغرباء، ولا نخرج وحدنا أبداً.

إلى أن جاء عصر تطوّرنا فيه كثيراً فأصبحنا لا نجتمع ولا نسمع قصصاً كالماضي، وجاء جيل جديد تماماً مختلف كل الاختلاف عنا وعن طقوسنا التي كنا نمارسها مع أمهاتنا قبل النوم. ومع ذلك فمازالت قصة ليلى مستمرة ولكن بسيناريو جديد تبعاً للظروف المحيطة بنا والتي سأسردها لكم كالتالي:
في عيد ميلاد ليلى الثاني عشر وعلى اعتبار أنها أصبحت كبيرة بنظرهم، فاجأها والدها بهدية غير معهودة، فتحتها وإذا هي جهازٌ إلكتروني يدعى (الآيباد) وهو عبارة عن لوح صغير يعمل باللمس ويرتبط عمله بالتزامن مع شبكة الإنترنت. فلابد أن تكون مشتركاً فيها حتى يتسنى لك تصفح المواقع ومشاهدة البرامج والفيديوهات المختلفة وغيرها.

فرحت ليلى ولم تنم يومها إلا وهي تحتضن (الآيباد) الخاص بها، وأخبرت زميلاتها في المدرسة عنه، وأخذت بتصفح الألعاب المختلفة والبرامج التي تحوي تقنية الاتصال والمراسلة عن بعد، فقد نصحتها صديقتها بها فقد تعرفت من خلاله على العديد من الأشخاص، وأقنعتها بأن ذلك يعتبر تطوراً، حيث إنها ستستفيد كثيراً من حيث التعرف على ثقافتهم ولغتهم وغيرها من الأمور التي لفتت نظر ليلى وحركت الفضول بداخلها.

وفي إحدى الليالي وعند غياب والديها قررت ليلى أن تنشئ حساباً خاصاً بها على مواقع التواصل الاجتماعي وسمّته (ليلى الحمراء). كانت في قمة سعادتها عندما بدأت تتوافد عليها طلبات الصداقة من كل حدب وصوب من أناس تعرفهم وآخرون لا تعرفهم. وضعت أجمل صورة لديها، وجاءتها رسالة من شخص يدعي أنها أجمل فتاة رأتها عيناه. ولأن ليلى في مرحلة المراهقة حيث المشاعر المتقدة والمزاجات المتقلبة، صدقت كلامه، ورسالة تلو رسالة، ويوماً بعد يوم توطدت علاقة ليلى ذات الاثني عشر ربيعاً بالشاب الغامض من خلف الشاشة الصغيرة.

وفي يوم من الأيام طلب محادثها عبر الفيديو وبكل سرور وافقت وتمادى معها بطلبه أموراً غريبة عجيبة وفي كل مرة كانت توافق فهي تظن أفعاله حباً، وطبعاً كل ذلك دونما رقيب أو حسيب. إلى أن وصلت لمرحلة أصبح ذلك الشاب الغامض ذئباً وكشر عن أنيابه وأخذ يهددها بالبوح لأهلها بكل شيء حدث بينهما ما لم تنفذ ما يطلب منها.

وبكت ليلى أياماً طويلة، واستحالت طفولتها الوردية إلى أشواك سوداء، وأخذت تذبل وتذبل، حتى قررت مصارحة أمها. صعقت والدتها بما سمعت، فقد كانت أشبه بالجاهلة إلكترونياً، وظنت أن هذا (الآيباد) هو مستودع لألعاب ابنتها المدللة وبديلاً لصندوق الدمى تحت السرير، وأخبرت والدها بذلك، جن جنونه وفقد صوابه، فهو سبب في كل ما جرى لتلك الصغيرة المسكينة والتي غُرر بها دون أن تعلم.

لحسن الحظ كان الوالد على قدر من الوعي مما جعله يطلب المساعدة من أحد أصدقائه الضليعين في التكنولوجيا وخفاياها، حيث اكتشف الوالد أن صديقه يعمل في القسم المخصص بالجرائم الإلكترونية في البلدة والذي يمكن أن نشبهه (بالحطاب) الذي ساعد ليلى في الرواية الأصلية. فاستدرجوا ذلك الذئب وحددوا معه موعداً، وفي اليوم المنتظر أوقعوا به، فإذا هو رجل في الثلاثين من عمره يترصد الفتيات الصغيرات ويتلذذ بهن لعلمه أنهن ضعيفات. ندم الوالد على هديته تلك، فقد حوّلت العيد إلى مأتم، وحوّلت طفلته إلى ضحية، بعد أن كانت بين الدمى أصبحت بين الذئاب.

أعلم أني قد أطلت عليكم ولكن رفقاً بملائكتنا الصغار، فلابد لكل عائلة أن تلتفت إلى أطفالها. لا تدعوهم يكبرون قبل أوانهم، لا تفقدوا أطفالكم براءتهم، دعوهم يلعبون بالسيارات والدمى والمحشوة بالقطن، دعوهم يختبؤون خلف الأبواب بدلاً من الاختباء خلف شاشات الحاسوب، دعوهم يطلبون الحلوى بدلاً من اشتراكات الإنترنت. حافظوا عليهم فسيسألكم الله عنهم. دعوا طفولتهم تسير بالمراحل التي مررتم بها سابقاً.

أخبروهم كل ليلة قصة جديدة من الماضي. لا تجعلوا من أطفالكم آلة تحرك أذهانهم تلك الأجهزة، دعوهم يعيشون طفولة عادية بعيداً عن الطفولة الإلكترونية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.