المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم مسلم Headshot

لو بطّلنا نحلم .. "نعيش"!

تم النشر: تم التحديث:

بدأ موسم التخرُّج!

بدأ الموسم الذي انتهينا نحن منه منذ بضعة أشهر، أو سنة، أو ربما سنتين أو عشر سنين.. ونحن غافلون.

أذكر تلك المراسم، وتلك "التيشرتات" والصور وفرحة "أخيراً .. بنتخرّج"، أرى تلك الابتسامة وذلك الشعاع البرّاق في أعينهم، يذكّرني بطريقة ما بشيء رماديّ باهت.. نعم، ربما الأمل!

لم أُرد يوماً أن أكون من أشباه هؤلاء المُحبَطين المُحبِطين، زعماء مقولة "كان غيرك أشطر"، أصحاب النظرة السوداوية، الراضين بالسير "جنب الحيط".
لم أتخيل نفسي يوماً وسط قطيعهم.. وسط "العاديّ"، الميّت غير دارٍ بخروج روحه منه منذ زمن بعيد!

ولكنّي اليوم أكتب.. أكتب ما قالوه هم يوماً مِزاحاً ساخراً منّا، نحن الحالمين.. أكتب ما بدا مُستحيلاً وبعيداً جداً.
أكتب إثر رجوعي -للمرة ربما العاشرة- "أجرُّ خُفىّ حُنيَن"، من تلك المقابلات الشخصية المحفوظة السخيفة.

أكتب بعد عودتي من عملي المُرهق جداً.. الذي يبتلعني بروتينه، البعيد كل البعد عن مجالي، أحلامي وعنّي، عملي الذي أشعر فيه أني أختنق رويداً وَسط كتل الرسائل والورق والتعليمات والالتصاق بكرسي -أنا أكثر بُكماً منه- لمدة ثماني ساعات متواصلة.

بعد ما رضيت بعملي الرابع بعد الانتقال من هنا وهناك عساني "أجدني" في وظيفة ما.. ولكن دون جدوى!
بعد سلب الحُلم شيئاً فشيئاً حتى صار يُنازع الموت، مُعلّقاً في حلقي يُزيدني غصةً وحنقة على البلد، المجتمع والبشر أجمع.

أكتب، بعد أن أُهِنتَ بنظرات كثيرة بسبب حجابي، بعد رفضي دون سبب ودون تكلّف عناء التبرير، بعد كمّ الضحكات المُفتعَلة والجلسات المُنمّقة والنظرات المُحلِّلة لمظهري ولهجتي وجلستي، بعد العربي المُعدَم في بلد عربية تدّعي "الأمرَكة".
بعد التعرّض لعنصرية من أهلي وأشباهي، من أفراد شعب واحد، كله من دول العالم الثالث، لا أثر له على الخريطة وسط غيره من المتقدّمين، لا يفقهون سوى تقليد "تفاهة" الغرب دون بذل جهد السير على خُطى نجاحهم.

أكتب بعدما غُصّت أوراقي بأحلام تلو أحلام، أحلام حُوّلت لأهداف، ثم خطط وخطوات.. بنقاط واضحة وزمن محدد.
بعدما اصفرّت الأوراق وشُطّبت الأحلام باسم "العنصرية، سقف المتطلبّات، التنازالات، الوسايط، والأساس المُختلّ" أو ضعوها تحت أي مُسمّى، فما عاد هناك فرق.

صنعوا مني ومن أمثالي "كتالوج" رسموه لنا مُسبقاً .. قالباً بائساً، متخبطاً، مُحبِطاً، راضياً بقليله وبما يُدرِجه تحت اسم "موظّف" فحسب.

أكتب بعدما سألتني صديقة: "هل الوصول صعب ومستحيل إلى هذا الحدّ.. أم أننا من أخطأنا الحُلم؟".

بعدما أُهنت راكضة وراء المكاتب، والإعلانات، والشركات، والأشخاص "المُهمّين" أسأل حتى عن سبب رفضي!
أخوض امتحاناً، في مقابلة، في الأخرى، يبدو عليهم الانبهار بإجاباتي وبتأكيد ردّهم العاجل جداً.. ثم لا أثر لهم، يختفون دون حتى رفض قاطع ومُبرَّر.

لا أحكي تجربة شخصية؛ بل أتحدث باسم كل شاب فقد حلمه وسط تلك الدوّامة، ذلك الموظف الذي يَردُّ على استفسارك في شركة الاتصالات المعروفة، الذي يساعدك على تسجيل "الأوردر" الخاص بك، كان له طموح يوماً ما، ربما ظن أنه سُيحدث طفرة ونجاحاً مشهوداً.. مثلك تماماً!

نعم، أنا لا أشعر بالانتماء لبلد قتل كل بقايا الحلم بداخلي، الذي تشرّط الخبرة قبل العمل والعمل قبل الخبرة.. ولا عمل متاح هناك ولا خبرة، والذي تركنا ندور في دائرة مغلقة خانقة، وسلب منّا الحلم الأعظم منذ خمس سنوات ثم الآخر تلو الآخر.

الذي لا يريد له التغيير على أيدينا، والذي لا نساوي فيه شيئاً إن كنا دون منصب أو دون مظهر مُغرٍ ولائق.

علّمونا صِغاراً أنه إن لم يكن لدينا هدف، لِمتنا قهراً.. ولكني لا أرى الحال هكذا في بلادي، أحزن لمجرد مراودة حلم الهجرة بداخلي، كمعظم جيلي، بعد طول رفض له وقوة إيمان ببلدي، أحزن لإرادتنا للهرب جميعاً.. لننقذ حتى ما تبقّى لنا مما علّموه لنا أهلنا.. مما تبقّى من اعتقاداتنا البَديهية!

رغم كل الظروف، ما زلتُ أؤمن بوجود الطريق مهما عَتم، مؤمنة بالسعي وبالجزاء وبالنجاح.. ولكن بعد أمدٍ طويل.
قد يطول عاماً، أو اثنين، أو حتى عِقداً من الزمن.. لا أدري!

ولكننا نُعامل بسياسة "النَفَس الطويل"، من يصل إليه غيرنا في عام، نصله نحن في عشرين، بعد صراع مع العقليات والأفكار، والإجراءات، والسياسات المُعجِّزة والأحكام المُسبَقة، نصل بعدما نُسلب كل ما أوتينا من قوة.. بعد استنزاف تام لبراح أرواحنا وانتزاع تصالحنا مع ذاتنا.

فإما أن نرضى ونُشمِّر سواعدنا ونموت نحن وتعيش أحلامنا، وإما أن نُغيّر البوصلة، وننفض أيدينا من همّ السعي و"نعيش".. نعم، ففي بلدنا "لو بطّلنا نحلم.. نعيش".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.