المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم جهاد Headshot

طوبى للحائرين

تم النشر: تم التحديث:

لدى كثير من الناس أحلام متكررة تراودهم، امرأة تحلم دائماً أنها مسافرة ثم تكتشف في المطار أنها نسيت التذاكر في المنزل، كمشهد سينمائي، يكبر كل شيء من حولها، بينما لا تسمع هي سوى صوت دقات قلبها، كبندقية لا يفنى الرصاص منها.

أخرى يتسلل إلى بيتها ثعبان يجول ويكبر ويلد قابعاً في أرض البيت، وهذه أخرى تنسى ملابسها، ولا تدرك ذلك إلا وسط الناس في الشارع، عارية أمام كل العيون، حائرة ماذا تخبئ.

وكهؤلاء النساء عندي حلم يأتيني كلما سنحت له الفرصة، ويتمتع الزائر بفرص كثيرة في هدوء الليل: أرى نفسي تائهة بين شوارع لا أعرفها، أو في مكان مزدحم، أكاد أذوب فيه، تنتقل عيوني بين الأشياء -البيوت والوجوه والنواصي- في فزع، لا أجد وجهتي، ولا ينصت لي أحد لأسأله، وفي كثير من الأحيان لا أعرف ما هو ملاذي، لكني دائماً تائهة وخائفة وأبحث.

علَّق أحد الأصدقاء على ذلك قائلاً ذات مرة: "ربما تشعرين أنك لا تنتمين إلى أي مكان"، لم تصبني هذه الإجابة بإدراك لم أكن أعيه، فلقد اقتنعت أخيراً منذ بضع سنوات أني مهما حاولت لا أنتمي، ليس لديَّ وطن أو بيت طفولة أو أصدقاء قدامى، لا أذكر الكثير من الشوارع والمدارس التي تنقلت بينها وأنا أكبر، وأتلعثم أمام السؤال الذي يبدو بديهياً للكثيرين: من أين أنتِ؟

كان يحبطني ذلك كثيراً في الماضي، ويدفعني إلى التشبث بهويات اكتشفت لاحقاً أنها ليست لي، لكنه الآن لم يعد يحزنني.

أنا أشعر اليوم، بل إني متأكدة، أني لست بلا ماضٍ، أني أنتمي إلى شيء راسخ بداخلي، قد أكون ممزقة عبر السنين والأمكنة، تراودني الأسماء والمشاهد في ومضات خاطفة كامرأة عجوز تحاربها ذاكرتها.

قد أكون تبدلت مراراً، من فتاة مراهقة متزمتة دينياً، إلى صحفية منكبة على التفاصيل، إلى إنسانة يائسة، ثم زوجة واقعة في الغرام، وأخيراً امرأة تنبش أيامها باحثة عن المعنى، ولكن ألا ينبع كل ذلك من تاريخ ما؟ من حكاية ما؟

كنت أظن أن كثرة الترحال قد دربتني على النسيان، أني بسهولة أنضم لمكان جديد وبسهولة أكبر أرحل عنه، وكنت أظن أنها أصابتني بلعنة تجعلني أتقن فن تجنب خلق صداقات حقيقية، سيكون هناك دائماً مكان جديد، وناس جدد، وبداية جديدة، وأنها جعلتني أتحلى بإبداع متناهٍ في إخفاء من أكون، ما الداعي لأن أتكلم كثيراً أو أن أفتح قلبي إن كنت راحلة؟!

أما الآن فأعتقد أن كثرة الترحال قد دربتني على رِتم الحياة، جعلتني أعي أن الحياة لا تكون حياة إلا بتقلبها، جعلتني أدرك أني دائماً -مع حيرتي وعواصف قلقي- عندما يجتاحني التغيير من جهة أستعد لاستقباله من الجهة الأخرى، أفتح له بابي حتى وإن حنَّ قلبي وحزن على ما كان، صرت أؤمن، في أوج يأسي واستسلامي، أني سأصحو يوماً رائقة، أتنفس الصبح وأمضي؛ لأني آسيت قبل ذلك وتخطيت الأسى، صرت أعرف أني فشلت أو أخطأت في كذا وكذا، لكني أحاول مجدداً، لا عيب في ذلك، لست إلهة، ومَن حولي ليسوا أنبياء، ووسط كل ذلك أتغير أنا أيضاً كأي شيء حي ويعيش.

وهكذا فإني أنتمي إلى إرثي الشخصي من الحياة، إلى حكايتي، وهي بطبيعة الحال لا تسير في طريق مستقيم، وأعتقد أني لست وحدي، فطوبى للحائرين، التائهين في أحلامهم، الذين يفشلون وينهضون مجدداً، ويكررون ذلك، مرة تلو الأخرى، للمشتتين الذين لا يعرفون ما يريدون لكنهم لا يكفون عن البحث، للذين يخطئون ثم يعاهدون أنفسهم على التحسن، طوبى للذين تنكسر قلوبهم لكنهم يتعلمون أن يحبوا مرة أخرى كما لم تعرف قلوبهم الفراق، للذين يعرفون أنهم لم يصلوا بعد ويتقبلون رحلتهم على حالها، وللذين يدركون حقاً معنى أن كل شيء يزول ويرحل ويأتي غيره، وأن الوقت يمضي والحياة تتغير، ولا شيء سيوقف ذلك أبداً، فيفسحون للحب مجالاً في قلوبهم لكل ما هو موجود الآن، قد لا تكون الحياة على ما يرام.. لكننا سنكون على ما يرام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.