المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم استيتية Headshot

لماذا قضمت ربع التفاحة؟!

تم النشر: تم التحديث:

رغم محاولات أمها المتكررة، اليائسة والحثيثة لتعليمها أصول الإتيكيت في تناول التفاح، إلا إن الفتاة الشقية كثيرة الحركة ذات الأعوام التسعة تأبى فكرة تقسيم التفاحة إلى أرباع متساوية مع نزع البذور التي تتوسط كل ربع منها وتناولها بهدوء! بل على العكس من ذلك فهي ترى أن روعة تناول التفاح لا تنشأ إلا بقضمها وإحداث جلبة وضجيج يملأ الكون معلنا موسيقى من نوع بوهيمي متمرد لا يستأنسها إلا عاشقي التفاح !

كانت الفتاة وأسرتها تقطن في بلد ثري مستورد لكافة خيرات العالم ومنتجاته، ومع تنوع ألوان التفاح وأصنافه وأحجامه في أسواقها، كانت الأم تحرص على تلوين المائدة بسلة خاصة بهذه الفاكهة مما يتوفر بسوق الخضار والفواكه، كانت صديقتنا الصغيرة تعشق هذي السلة حينما تتعدد محتوياتها، فهي تمثل لها لوحة متكاملة يتجانس فيها الأحمر والأصفر والأخضر، يغريها هذا المشهد لانتقاء حبة منها، فتتردد وتتذبذب حينما تنتقي إحداها، وتتضارب أهواؤها في كل مرة، وتختلف أسباب انتقائها تبعًا لذلك، فتارة تختار اللون بحسب ما يليق بما ترتدي من ملابس، وتارة أخرى تتذكر أنها تناولت في الصباح موزة فتمتنع عن أكل التفاح الأصفر لتنحصر اختياراتها ما بين الأخضر والأحمر، وفي كثير من الأحيان تلجأ للعبة العد فتضمر في سرها عددًا وتبدأ العد من أعلى التفاحات مكانًا لأسفلها ممررة إبهامها عليهن كلهن حتى ينتهي العد فتتناول المنشودة ذات الحظ السيئ لتباشر بقضمها محدثة ذاك الضجيج الذي تهوى!

المشكلة كانت عندما تقضم من أحدها قضمة لتتفاجأ بطعم لم يرق لها، فقد تكون فائقة الحلاوة أو الحموضة مثلًا، وقد تخالف انطباعاتها عن المقدار الأنسب للهشاشة، وقد تكون ناضجة فوق الحد المطلوب فتأنفها وتقضم ربعها ثم تتركها، وحينها يبدأ صراخ الأم: "لماذا قضمت ربع التفاحة؟".

عندما كبرت الفتاة وعادت للعيش في بلادها، انحصر عشقها للتفاح بنوع واحد يصلح للقضم، ألا وهو " الزبداني" ! .. ولكن لماذا هذا التحول؟! ربما لطعمه الفريد، فهو طعم معتدل، لا كامل الحلاوة ولا ناقص الحموضة ، يكفي أن تتناول منه قضمة واحدة فيسيل لعابك متأثرًا بكمية السوائل الغضة والثرية التي تروي حاجتك لهذي النكهة الفريدة، وربما أيضًا لارتباط هذا النوع بمنطقة عربية في سوريا البهية تحتل ذكريات ذات جمال آخاذ في عقلها الباطن، في كل قضمة من نوعها يتدافع خير الأرض الكثيف وطعمها العبق وفتنتها غير المسبوقة فيمتزج الطعم بالصورة، وتنقل التربة رائحة المكان عبر تلك القضمة!.. أما وقد اشتعلت الحروب، وأصبحت الزبداني تصدر الدم عوضًا عن التفاح، فما عادت تأكل منه، وما عادت تستسيغ "المُأَمْرَك" منه!

"يا لوقاحة الأمريكان ويا لتعاستنا نحن العرب عندما تنتشر في أسواقنا مسميات لمنتجات أمريكية كالتفاح الزبداني الأمريكي"! كان ذلك ما يجول في خاطرها ببؤس كلما مرت بقسم الفواكه في متجرها القريب!

ذات مرة ، كانت وعائلتها مدعوين لمأدبة غداء في بيت والدتها، فوجئت بحبيبتها تنهر صغيرها الذي قضم من تفاحة زبدانية أمريكية قضمة وتركها، لم يحفل الصغير بذلك واستمر يجري إلى حيث شقاوته البريئة، وهي تبتسم لسؤال أمها لها: "لماذا قضم ربع التفاحة؟ ألا تعلمينه أصول الإتيكيت؟!"، لكنها اكتفت بالصمت احترامًا لها وفي داخلها تجول ذكريات فشل أمها بتحقيق ذلك فيما يخصها!

ولكنها كانت سعيدة حقًّا لأن الطعم لم يعجب صغيرها لتؤكد لنفسها أن حقيقة الأصل لا يجوز استنساخها ومن ثم سرقتها وأن بعض الثوابت تأتي بالفطرة المحضة!