المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم حياة Headshot

يومان هما مدة الرحلة التي استغرقت للوصول إلى إسطنبول من مطار الجزائر

تم النشر: تم التحديث:

كان يوما صيفيا رائعا، الشمس مشرقة والجو هادئ، الساعة تشير إلى الثالثة زوالا، حملت حقائبي وتوجهت مع أبي وأمي إلى مطار ميصالي الحاج الواقع في ولاية تلمسان أقصى غرب الجزائر على بعد كيلومترات قليلة من مدينتي، كنت سعيدة كثيرا في هذا اليوم فإنها رحلتي الأولى إلى تركيا. لطالما تمنيت أن أزور هذا البلد وها قد تحقق حلمي مع هذا التدريب المجاني الذي حصلت عليه والذي كان بمثابة الهدية والجرح الشافي لرغبتي الكبيرة في زيارة هذا البلد.
وصلنا إلى المطار وأكملت المعاملات وودعت والدي اللذين رافقاني حتى آخر خطوة، دخلت قاعة الانتظار والسعادة تغمرني أنتظر الطائرة التي ستقلني إلى العاصمة ومن ثم إلى تركيا. إذ لا وجود لطائرة مباشرة من تلمسان إلى تركيا على الخطوط الجوية الجزائرية. بعد ساعة كاملة من الطيران نزلنا في مطار العاصمة وكانت الساعة حينها تشير إلى السادسة مساءً، المطار مكتظ بالمسافرين كل منهم منهمك في أموره.
أنهيت جل المعاملات الروتينية واتخذت لي مكانا خاصا في قاعة الركوب منتظرة وقت طائرتي المزمع إقلاعها الساعة التاسعة والنصف ليلا، غصت في أحلام شبه حقيقية أتخيل نفسي بين أحضان شوارع إسطنبول التي كنت قد رأيت صورا لها على الإنترنت. فطوال الفترة السابقة وأنا أقرأ وأشاهد صورا عن هذه المدينة التي تأسرني بجمالها الأخاذ.
الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلا، ولم يظهر للطائرة أثر بعد، لا أحد من المسافرين احتج أو تساءل عن هذا التأخير، فالأمر معهود من الخطوط الجوية الجزائرية، التأخر لمدة ساعة أو ساعتين من دون اعتذار ولا إعلان أصبح أمرا عاديا عند المسافرين الجزائريين غير كونه أمر لا يحتمل من طرف المسافرين الآخرين من أتراك وأفارقة، الذين كانوا على نفس الرحلة وبدأوا بالتساؤل دون جدوى.
مرت الساعات الواحدة تلو الأخرى ولم يتغير شيء، كنت أراقب المسافرين على الخطوط الجوية الأخرى وأقول في نفسي "يا لحظهم، لماذا تقلع خطوطهم بالوقت المحدد ونحن لا، لم علينا أن ننتظر وننتظر في كل مرة" حتى صرنا نتفاجأ لو تقلع الخطوط الجزائرية بالوقت المحدد لها.
كما قد حصل معي يوما لما كنت في طريقي الى البيت على الخطوط الجوية الجزائرية التي جاءت بالوقت المحدد لها، غير أنها عادت إلى المطار بعد ربع ساعة من التحليق بالسماء من دون الإفصاح عن السبب، وبقينا على متنها ثلاث ساعات أخرى متواصلة حتى صحح الخطأ لتقلع مجددا دون ذكر السبب.
"خلاص، بزاف وين راهم هادوو" يقول أحد المسافرين بنبرة حادة وقد استشاط غضبا وقرر أخيرا الانتفاض بعد مرور ساعتين أخريين، حينها قام الكثيرون وبدأوا بالسؤال عن سبب التأخر الفظيع للطائرة وهم في أوج غضبهم. حينها أتى أحد العاملين التابعين إلى الشركة "متتقلقوش كاين برك مشكل ثقني نعدلوه و نروحو".
لبثنا على هذا الحال لساعات أخرى حتى اقترب شروق الشمس، ونحن نتمتم فيما بيننا ونلعن هذا الحظ التعيس الذي نحن فيه، " لكان حسابني لكان رحت في التيركيش ارلانز" يقول أحد المسافرين بغضب. في هذه الأثناء، يعود نفس الشخص السابق من الخطوط الجزائرية مع ثلاثة رجال آخرين من عمال المطار، فرحت كثيرا لما رأيتهم يمشون متوجهين نحو باب الركوبـ وقلت في نفسي إنها ساعة الخلاص، سنقلع أخيرا الى تركيا.
"اسمحونا خاوتي، الله غالب الطيارة متروحش اليوم، غدوة ان شاء الله نديوكم على 2 بعد الظهر" يقول عامل الخطوط الجوية بدم بارد من غير خجل، هذه الكلمات كانت كالصفعة على وجهي، قلت في نفسي: كيف وأين سأمضي ما بقي من هذه الليلة ما هذا الحظ السيء الذي أنا به؟
في الخطوط الجوية الجزائرية، إلغاء الرحلات وتأجيلها صار أمرا طبيعيا جدا، لا يتم الإعلان عنه ولا إعلام الركاب بالتأخير أبدا.
احتج كل المسافرين على إلغاء الرحلة وتأجيلها الى الساعة الثانية زوالا من اليوم الموالي طالبين من المسؤولين تعويض تذاكرهم أو المجيء بطائرة أخرى لتعويض التأخير. "أنا عندي محاضرة ألقيها غدا بالجامعة، لماذا أذهب أصلا إن كنت سأصل بعد أن ينتهي دور مداخلتي" يقول أحد المسافرين وهو يحمل صفة أستاذ جامعي بعبارة شديدة اللهجة. فيما يصرخ شخص آخر "أنا دفعت نقود هذه الليلة للمبيت في فندق في إسطنبول، يجب عليكم تعويضها"
استمرت هذه الحالة ولم نجد عند المسؤولين آذانا صاغية، ولا اكتراثا بهذا الوضع المأساوي الذي نحن فيه، كل ما حصدناه هو تنزيلنا من قاعة الركوب مع إرجاع كل أمتعتنا المسجلة إلينا وكأنه لم يحصل شيء.
جلست مع كافة الركاب وكنا في حالة استنفار وغضب وتعب نفسي كبير. حينها، بدأت أحلامي في رؤية إسطنبول بالتبخر، والسعادة التي كانت تغمرني صباح اليوم تحولت إلى تعاسة فظيعة غير محتملة. بعد مدة طلبوا منا الخروج عند باب المطار بحجة أنهم سيحضرون لنا حافلة تأخذنا إلى فندق قريب لإكمال ما بقي من هذه الليلة المأساوية.
بعد انتظارنا لحوالي نصف ساعة أتت حافلتان لا تكفيان حتى لحمل ربع ركاب الطائرة، تمكن البعض من الركوب وطلب منا السائق ترك النساء والأطفال أولا، لم يكن الحظ من نصيبي ولم أستطع الركوب معهم للذهاب والاستراحة بالفندق لأن الحافلة لم تعد مجددا فالأمكنة لا تكفي للجميع حتى لبقية النساء والفتيات مثلي.
في كل بلدان العالم والخطوط الجوية المحترمة يتم أخذ جميع المسافرين دون استثناء إلى فندق قريب نتيجة تأخر أو إلغاء الرحلة، إلا أن هذا الخطوط الجزائرية خرجت عن هذه القاعدة فلا احترام ولا اهتمام بهؤلاء الركاب الذين راحوا ضحية.
بقيت لأكمل الليلة على حظي التعيس داخل المطار، كل المحلات مغلقة والمطار خال من الركاب عدانا نحن، جلست في كرسي حديدي أنتظر الوقت الموعود على أحر من الجمر أدعو أن يمر الوقت بسرعة فليس ببالي الا أن أستقل الطائرة وأتوجه لإسطنبول. جاء الصباح وجاء الوقت المتفق عليه وأكملنا جميع المراحل من تسجيل للحقائب وختم للجوازات من جديد وأنا أتمنى أن يتم حل المشكل ويتم أخذنا بالوقت المتفق عليه لنضع حدا لهذه المعاناة التي لا نستحقها. إلا أن الأمر لم يكن بحجم التوقعات والتمنيات.
جاء وقت الرحلة ولم تحرك الشركة ساكنا، كل الركاب الآخرين يركبون عدانا نحن، انتظرنا لبضع ساعات أخرى طامعين أن تتم مناداتنا ولكن الوضع استمر على حاله وكأننا غير موجودين، الساعة تشير إلى الرابعة مساء، وقد استشطنا غضبا وجوعا أيضا فلم تقدم لنا الشركة غير قنينة مياه من اليوم السابق وسندويشات قالت إنها مخصصة للأطفال.
« On veut débarquer » "نريد الإقلاع" هتف جميع المسافرين مرارا وتكرارا، بصوت عال وانتشرت الفوضى في المطار، فالوضع لم يعد قابلا للاحتمال ولا مزيد من الصبر. تركنا على هذه الحال من دون إعارتنا ولا أدنى اهتمام، بدأ الركاب بغلق أبواب الركوب الأخرى المتوجهة الى أماكن ثانية قائلين "لماذا تقلع كل الطائرات دوننا؟ لم تركتمونا هنا إلى حد الساعة...؟؟" وغيرها من العبارات الأخرى.
بعد انتشار الفوضى في المطار وبعد أن صرنا أضحوكة على لسان كل من كان بالمطار ذلك اليوم، جاءت مسؤولة من الخطوط الجزائرية وقالت "أعدكم أن يتم نقلكم وستقلع الطائرة على السادسة ".
فأجابها أحد الركاب وهو يستشيط غضبا حتى لم يمكن لنا أن نفهم ما تفوه به من كلمات "لا نصدقكم، سبق ووعدتمونا أن يتم أخذنا على الثانية زوالا وها نحن مازلنا هنا، متى سنذهب هااااا"، فيما يكمل آخر بذات الغضب ضاربا بيده على مكتب قريب منه "لن أسافر معكم مجددا، هذه آخر مرة" وتتابع أخرى بنبرة حادة "لم أجد ما أطعم طفلي، انتهى حليبه وليس عندي نقود كافية لشراء المزيد له مع غلاوة الأسعار داخل المطار" تقول امرأة وهي في حالة يرثى لها من عدم النوم وهي تحمل طفلها الذي لم يتجاوز السنة من العمر وهو يبكي.
هذه الشكاوى لم تجد ردا شافيا منهم غير أن الأصوات تعالت وأكد الركاب أنهم لن يسكتوا إن لم يتم أخذنا الى إسطنبول على الساعة السادسة. في هذه الأثناء تقول ذات المسؤولة "اذهبوا واصطفوا هناك في باب رقم 17" وتتابع، "سوف نأخذكم إلى الطائرة الآن" وهي تعتذر على هذا التأخير غير العادي. توجهنا إلى الباب آملين أن نبيت هذه الليلة في إسطنبول وبالفعل أخيرا تم إركابنا في الطائرة.
تسارع الجميع الى دخول الطائرة خائفين أن يتم وضع القرار جانبا، يقول أحد الراكبين لحظة غلق أبواب الطائرة "لن أسمح بالنزول إلا في مطار إسطنبول، لا مزيد من الأعذار". حينها بدأت المضيفات بسرد إجراءات الأمان المعهودة ولم نسمع منهم غير هذه العبارة "تعتذر الخطوط الجوية الجزائرية على هذا التأخير". لا أحد من الركاب أبه لهذا، فوجوهنا كانت بشوشة وكنا سعداء وكأننا حققنا انتصارا ونصرا عظيما بعد كفاح ليلة ويوم كامل.
بعد ثلاث ساعات ونصف من الطيران، وصلنا الى مطار إسطنبول، الا أنه كان علينا البقاء في السماء لنصف ساعة أخرى إذ لم يكن للطائرة مكان للنزول في ذلك الوقت الذي لم يكن وقتها المرتقب. أخيرا حطت بنا الطائرة في المطار حينها لم نصدق أعيننا، هتف جميع الركاب وزغردت النساء فرحا، غير مصدقين أنه قد تم نقلنا فعلا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع