المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم حياة Headshot

البحث في كوم قش.. الأرشيف الحكومي الجزائري

تم النشر: تم التحديث:

في صباح يوم اثنين، من أيام الشتاء الماضي، بدا اليوم كئيباً من بدايته، سحب سوداء تغطي السماء تنبئ بسقوط أمطار غزيرة وكل الأوضاع لا تساعد على ترك فراشي الدافئ، حاولت النهوض ولكن النعاس أصبح أمراً عزيزاً في هذا الجو الكئيب، لم أستطع مقاومة حلاوة النوم وشدة النعاس على وسادتي الدافئة وسط هذا البرد القارص. لكن لا خيار أمامي ولا جدوى من المقاومة فأمر تغيير جواز سفري الذي أوشك على الانتهاء أمر لا بد منه وإلا سأواجه الحرمان من عدة فرص في المستقبل القريب.

وصلت إلى الدائرة المعنية بتغيير الجوازات، أحمل بين يدي الملف كاملاً، قمت بتقديم الملف إلى الموظف المكلف بالخدمة قائلة "الورقة الخاصة بملخص شهادة الميلاد قمت بتسليمها مع ملف جوازي الأول ب 2011" مع الإشارة أن هذه الورقة تستخرج مرة واحدة في العمر. وقد أخذوها مني يوم قدمت الملف الخاص بجواز سفري الأول. عندها طلب تلك الورقة وهو يرسلني إلى مكتب آخر في الطابق الأول من الدائرة لاستخراج تلك الورقة المهترئة من بين مئات الآلاف من الأوراق وأرشيفات متراكمة الواحدة فوق الأخرى بين عدد من الرفوف الحديدية وسط فوضى هنا وهناك.

في بلدي الجزائر، الأرشيفات المتزاحمة مازالت سارية المفعول، اذ ليس هناك نظام حديث مقدم في هكذا دوائر، في ظل ما وصل إليه العالم من تقدم وتطور تكنولوجي، ونحن في العام الخامس عشر من الألفية الثانية. ما كان مني إلا أن أتوجه مسرعة إلى ذلك المكتب لأنهي العمل الذي أتيت من أجله، وصلت إلى هناك ووجدت سيدة تكبرني ضعف عمري جاءت لنفس الغرض وهي والموظفة في عملية تنقيب على نفس الورقة التي جئت لأجلها، فطلبت منها بعبارة قصيرة: "Je veux la même chose" فما كان منها إلا أن تأخذ مني جواز سفري وتنصب على عملية تنقيب أخرى بين مئات الآلاف من الأوراق. في حين، كان يمكن اختصار كل هذا التعب ومضيعة الوقت بكبسة زر لجهاز كمبيوتر بات يستعمل في كل مكان ومن قبل أي كان حتى من قبل الأطفال.

ذلك المكتب المهجور، صار ملاذاً آمنا لتلك العناكب ذات الأقدام الطويلة لنسج بيوتها كما يحلو لها. السواد يغطي المكان والجو كئيب إلى أبعد الحدود، بدأت الموظفة بالبحث اليدوي الذي يعود نظامه إلى عشرينيات القرن الماضي، ومعها زميلها وسط زحمة الملفات والأوراق الصفراء المتناثرة هنا وهناك حتى رفع ذلك الموظف الراية البيضاء بعد طول عناء قائلاً "عينيييا وجعوني، حوسي عليك روحك" بهذه الكلمات ترك المكتب بدون عودة.

تابعت تلك الموظفة رغماً عنها البحث من رف لآخر، ومن خزانة الى أخرى، في جو من العصبية والتمتمة مع نفسها كارهة العمل الذي فرض عليها، في هذه الأثناء دخلت إحدى الزميلات من المكتب المجاور وقالت " آاه، مازلتي تحوسي عليها، بزاف عليييك" وبعدها وجهت إلي الكلام بتساؤل ": ممكن تكوني دفعت الورقة مع ملف بطاقة التعريف وليس الجواز" فأجبتها مبتسمة "لا سيدتي، أنا استخرجت النسخة الثانية من بطاقة التعريف العام الماضي فقط، وما تبحثون عنه كان مرفقا بملف الجواز سنة 2011". لم ألق منها رداً لابتسامتي وإنما نظرت الي نظرة تحد وخرجت من المكتب.

بعد كل هذا الوقت، مازالت تلك الموظفة التي لاحول لها ولا قوة على حالها في عملية التنقيب التي وكلت إليها في جو من الكراهية، موظف آخر دخل هذا المكتب المنبوذ بعد أن انتبه للوقت الذي استغرقته زميلته في البحث وتابعا البحث معا الى أن وجدا رقم الملف الذي من المفروض أن يحمل هذه الورقة الملعونة.

بدأت الموظفة في تقليب أوراق الملف وأنا أدعو راجية ربي أن يضع حدا لهذا البحث اللئيم في كومة قش. البحث جار على قدم وساق بين تلك الأوراق الصفراء التي تعود إلى ملفي الذي دفعته قبل 5 سنوات كاملة، خيبة الأمل كانت كبيرة لم تكن تلك الورقة مع ملفي.

نقلني الموظف المساعد إلى مصلحة أخرى، فالقضية كبيرة فهذه ورقة لا تستخرج إلا مرة في العمر وهم المسؤولون على حفظها سالمة، المكتب الثاني كان أكثر تنظيما، وأكثر نظافة من الأول، لم يكن البحث بالعسير على تلك الموظفة التي اكتفت بأخذ رقمي واستخرجتها من ملف آخر قائلة "لقد تم نقل ملخص شهادة ميلادك إلى هذا المكتب العام الماضي".

سحبت الورقة الملعونة وخرجت من الدائرة من أجل أخذ عدة نسخ منها، فقد تغير القانون هذه السنة، الدائرة المكلفة بالجوازات تأخذ فقط نسخة منها والأصلية نحن من نحفظها في بيوتنا. عدت الى الدائرة مجدداً، من أجل إكمال ما جئت إليه منذ الصباح. وإذا بي أواجه مشكلاً آخر وهو أن التكاليف الخاصة بالجواز يجب أن يتم دفعها في مصلحة الضرائب جنوب المدينة التي أسكن بها. خيبة أملي كانت كبيرة فبعد كل هذا الوقت يجب عليّ أن أتحمل وأن أتوجه إلى مصلحة الضرائب ولن يتم قبول ملفي الذي عانيت كل هذا من أجله كما أني الخاسرة الأكبر إن لم أقم بالأمر.

وصلت إلى مصلحة الضرائب جنوب المدينة، وقد نال مني التعب، وأصابني الهول لما رأيته من تزاحم للناس الواقفين هناك منتظرين أدوارهم لدفع ما عليهم من ضرائب، وقفت أنتظر دوري وكان الجو مثيراً للاشمئزاز، الموظفة تعامل الناس كأنهم ماشية ينتظرون الماء والطعام والناس أنفسهم لا يحترم أحد دور غيره، كلهم يريدون المرور في نفس الوقت، سألت موظفاً هناك فأدخلني المصلحة المعنية لأن أمري لا يشبه ما جاؤوا لأجله.

وللمرة الثالثة في نفس الصباح عدت إلى مصلحة الجوازات راجية ألا يتم طلب شيء آخر فلا طاقة لي بهذا، وأكملت أخيراً ما جئت إليه منذ صباح اليوم مستنفرة من ضعف الخدمات والاستهتار بالمواطن الذي لا حول له ولا قوة.