المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم حسن محمود Headshot

يا له من أبٍ رائعٍ.. لقد سمح لي بشرب الماء!

تم النشر: تم التحديث:

تتنوع نظرات الفتيات في المجتمع إلى حقوقهن وإلى أوضاعهن الاجتماعية، قد تجد بعض الفتيات المدركات لحقوقهن بشكل سليم، وتجد وفي نفس المجتمع فتيات يعقدن صلحاً وسلاماً نفسياً مع الظلم الذي يطبق عليهن، في الجامعة والمنزل والطريق والأماكن العامة وفي الدساتير والأعراف الاجتماعية، وقد تصل ببعضهن إلى تمجيد الظالم عند منحهن حقوقاً مبتورة وعاجزة عن تحقيق حريتهن وإنسانيتهن كاملةً، وهذه الفئة هي التي أرغب بالحديث عنها في هذا المقال.

اعتياد الفتاة على مر السنين على التبخيس من حقوقها، لم يدفعها فقط للتماهي مع هذا الظلم الذي يحل بها، بل إلى الظن أنه العدالة الواجب تطبيقها، العدالة التي تتلاءم مع قدراتها المتواضعة، وضعفها وعدم تمكنها من الدفاع عن نفسها ومن خوض غمار الحياة وتجاربها دونما الاعتماد على الأب أو الأخ أو حتى ابن الجيران، متجاهلة بذلك أن الأعراف والتنشئة الاجتماعية هي السبب الأساسي وراء اعتمادها على الذكر بشكل رئيسي في حياتها، فلو أتاح المجتمع الفرصة للمرأة بأن تخوض التجارب الحياتية كما أتاح هذا للذكر، لكنا رأينا النسخة الأقوى من الأنثى، الأنثى القادرة على العمل والسفر وتحمل مسؤوليات الحياة بشكل كامل.

الأنثى في مجتمعنا هي أنثى مُضعَفة، وليست ضعيفة بالفطرة كما يدّعي البعض، فلو كانت الأنثى ضعيفة بشكل فطري لما وجدنا الدول المتحررة التي تسعى باستمرار لمنح الأنثى حقوقها تكتظ بأمثلة على فتيات قويات ورائعات ومفكرات وعالمات، نساء قادرات على خوض الحياة بمجالاتها المتنوعة.

عندما تنظر الفتاة الآن إلى ما حل بفتيات القرن الماضي من معاناة وظلم وكبت، تظن نفسها أنها تعيش في فردوس الحريات، وأن ما يمنح لها من خيارات اليوم إنما هو بفعل تحرر المجتمع وتغير نظرته إلى قيمتها الفردية والإنسانية نحو الأفضل، وبالتالي يغمرها شعور بالامتنان للمجتمع الذي سمح لها الآن أن تتجاوز بعض القيود التي وضعت سابقاً للتعبير عن نفسها، سواء بالدراسة أو العمل أو الملابس أو حتى الممارسات الشخصية.

وهذه هي أسوأ صورة من صور الاستكانة التي حلت بنا، فأضحت الأنثى تسعى لكسب ود المجتمع وأولياء الأمور، لكي يمنحوها حقوقها أو بالأحرى أجزاء من حقوقها، ولكي تتقي غضبهم والأذى النفسي والاجتماعي الذي قد يلحق بها إذا ما ثارت لتأخذ حقوقها وما ترغب بيدها.

فتجد اليوم فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها غير قادرة على اتخاذ قرار بالخروج مع صديقاتها في عطلة نهاية الأسبوع، وفي حال منحت موافقة والدها أو أخيها، تجدها ترقص فرحاً بأنها ستمارس أبسط حق من حقوقها، وتجدها تشعر بالامتنان لحنان والدها وتفهمه، على الرغم من أنه لم يمنحها أي قيمة إضافية فوق أحد أبسط حقوقها، في الوقت ذاته توجد فتاة في عائلة متقدمة تناقش مع والديها قضية سفرها للدراسة أو العمل خارج البلاد.

قد يقول البعض إن مجتمعنا هو مجتمع محافظ، وعلينا أن نحترم الأصول السائدة فيها، ولكن إذا ما نظرنا إلى تعامل المجتمع مع الجنسين نظرة أكثر شمولية، سنجد في كل عائلة يسمح للشاب بممارسات يطول الحديث عنها، وقد لا يسمح حتى للأنثى أن تفكر بها مجرد تفكير، فلو كان فعلاً مجتمعنا مجتمعاً محافظاً، لما غض البصر عن شرب الكحول والعلاقات العاطفية والعلاقات الجنسية وعن الملاهي الليلية التي تكتظ بجميع شبان المجتمع ومن كل المستويات والطبقات الاجتماعية والثقافية، فلنكف إذاً عن استخدام كلمة محافظ في وصف مجتمعنا، فلا أرى ممارسات الذكر في مجتمعنا تختلف عن ممارساته في المجتمعات الأوروبية المعروفة بالحرية والانفتاح، فلنستبدل كلمة محافظ بكلمة ازدواجي مثلاً! فالمجتمع المحافظ هو الذي يطبق فيه القانون الاجتماعي على الذكر وعلى الأنثى، ومجتمعنا مجتمع أوروبي مع الرجل ومجتمع الـ"يا باطل" مع الأنثى.

غُرس في ذهن الأنثى أن الضعف والاستكانة هما الطبيعة الأزلية لها، متخذين من تفوق الرجل بالبنية الجسدية عليها عذراً لفرض سلطته عليها وللتحكم بأمورها، وأن الأنثى غير قادرة على تسيير شؤونها الحياتية دونما الاعتماد على الرجل في حياتها؛ لتصل إلى كيل الاتهامات لذاتها وإلى كره طبيعتها التي جعلتها ضعيفة اتكالية وعبئاً على من حولها،

وبداية الطريق نحو تغيير واقعنا إلى واقع أفضل لن تكون سوى بخوض كل فتاة وامرأة حرب ضد المفاهيم السلبية التي تمت تنشئتها عليها، ثورة نفسية داخلية نقدية، تتمكن من خلالها إدراك الحقيقة التي وجب عليها إدراكها منذ زمن بعيد، أن عجزها عن القيام ببعض الأمور واتكالها على الرجل بها لم يكن سوى محصلة حرمان المجتمع لها من الانخراط بالحياة بكل مجالاتها، كما حري بنا أن ندرك أن كل ما يسمح اليوم لنا من دراسة وعمل وغيرها مما قد يظنه البعض مظاهر تحرر، ليست سوى حقوقنا، حقوقنا فحسب، فلنتوقف عن تمجيدها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.