المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم عيناتي Headshot

ابن الإنسان

تم النشر: تم التحديث:

كما لا يكفي أن تعرف كيف تكتب كي تكون كاتباً، فلا يكفي أن تعرف كيف ترسم كي تكون رسّاماً, فينبغي على كلّ حرفٍ وكلّ كلمة في صفحة وكلّ خطٍّ وكلّ لونٍ في لوحة أن تستند إلى ثقافةٍ وخيال, وكلّما كانت الثقافة أكبر والخيال أوسع كانت صفحات الكاتب أو لوحات الرسّام أفضل وأعمق وأجمل.

وقد فهم بعض الرسّامين عبر الأزمنة تلك المعادلة وطبّقوها فخرجوا علينا بلوحاتٍ رائعة, ومن هؤلاء كان (رينيه ماغريت), وهو رسّامٌ سوريالي من بلجيكا عاش وتعايش مع القرن العشرين وتفاعل معه ومع ناسه, فرسم عدّة لوحات من بينها لوحتنا هذه التي سمّاها "ابن الإنسان".

نرى في لوحة "ابن الإنسان" السماء مكفهرّة تُبشّر أو تُنذر بأمطارٍ قد يعتبرها البعض خيراً وقد يعتبرها آخرون شرّاً, فالأمر نسبيّ ككلّ شيء في هذا العالم, ونرى سوراً حجريّاً قصيراً وكأنّ الإنسان خاف من أن تمتدّ يد البحرُ إليه فشيّد هذا السور ليمنعه غير عالمٍ أنّ البحر حين يشتاقُ إلى أحدهم يذهب إليه بنفسه ليراه من خلال الغيوم والسحاب ويربّت عليه أحياناً ويعاتبه عبر زخّات المطر.

والعنصر الأهمّ في اللوحة هو ذلك الرجل الواقف الّذي يرتدي قبّعة "بولر" أو تلك القبّعة المستديرة الّتي كانت مزروعة على رؤوس الغربيين في النصف الأوّل من القرن العشرين, والّتي كان يرفعها أصحابها إذا استحسنوا شيئاً, وقد كانت تلك القبّعات تصنع نُسخاً مُتشابهة شكلياً من الإنسان الغربي الّذي يرتديها كما كانت تفعل الحطّات أو الطرابيش مع أهل الشرق من الرجال, والغريب أن الناس في معظم أنحاء العالم كانوا يرتدون أغطيةً للرأس وكأنّهم كانوا يحفظون رؤوسهم تلك بتغطيتها, وكلّ ذلك كان بداعي "الموضة" المنتشرة فقط.

يرتدي الرجل أيضاً ربطة عنق حمراء, وكما نعلم فإنّ الأحمر هو اللون الأكثر لفتاً للانتباه, حيث تلتقطه عين الإنسان بسهولة وتتّجه إليه أوّلاً دوناً عن الألوان الأخرى, لذا يحبّ البعض ارتداء ربطات عنقٍ حمراء لتكون لهم الأولوية في استقطاب الأنظار, وأغلب الناس يعشقون استقطاب الأنظار.

وبما أنّ الرجل هو "ابن الإنسان" فهو ابن آدم وحوّاء صاحبيْ "الخطيئة" الأولى, ورغم أنّهما لم يؤذيا أحداً بخطيئتهما البسيطة تلك ولكنّ عاقبة ارتكابها كانت كفيلة بإخراجهما من الجنّة, وكما نرى فإنّ التفّاحة وهي رمز خطيئة الإنسان الأولى تغطّي وجه الرجل في اللوحة, وكأنّ ماغريت أراد أن يقول إنّ وجه الإنسانية اختفى وراء كلّ تلك الخطايا فلم يعد بالإمكان رؤيته ولا استخلاص ملامحه.

وأصبحت الخطيئة هي السمة الأساسية لوجه الإنسان, وكما نرى في اللوحة فإنّ الرجل يسترق النظرات من وراء التفّاحة وكأنّه يحتمي بها من نظرات الآخرين, وكما كانت قبّعة "البولر" أو أغطية الرأس تصنع نسخاً متشابهة عن الإنسان على مستوى الإقليم في السابق فقد أصبحت الخطيئة وفقط الخطيئة هي ما يصنع نسخاً متشابهة عنه على مستوى العالم الآن, وقد عمد ماغريت على جعل الخطيئة خضراء لأنّ اللون الأخضر يوحي بالبراءة, والإنسان دوماً يحبّ أن يرى أنّ خطيئته بريئة كخطيئة آدم وحوّاء, كما أنّ اللون الأخضر يوحي بالتجدّد, فالإنسان يجدّد خطاياه على الدوام.

كما نرى فإنّ الرجل يرتدي معطفاً طويلاً, وقد قام بزرّ الزرّين العلويين فيه فقط, ولم يقم بزرّ الزرّ الثالث السُفلي, هل نسي؟ أم أنّه كان مستعجلاً حين ارتداه؟ أم أنّ الزرَّ مقطوعٌ وغير موجود؟ وإن كان مقطوعاً فأين هو؟ كانت جزئية الزرّ هذه هي أكثر ما أثار اهتمامي في اللوحة, ويبدو أنّ ماغريت راهن على فضول الإنسان وغالباً قد كسب رهانه هذا, حيث إنّني أتساءل كلّما نظرتُ إلى اللوحة عن الزرّ وعن مكانه, وأحاول تخيّل أنّه سقط في حديقةٍ حين كان الرجل يتجوّل مع زوجته, فأخذه سنجابٌ ووضعه في عشّه المحفور داخل شجرة!

هناك شيءٌ آخر يُثير فضولي وهو سبب إخفاء الرجل ليده اليُسرى خلف ظهره, هل يُخفي شيئاً يحمله بها؟ وإن كان يُخفي فما هو هذا الشيء؟ هل الفضول خطيئة؟ يُقال إنّ الفضول قد قتل القطّ, ولكن لولا الفضول لما عرف القطُّ شيئاً قَطّ! الدافع الأساسي للخطيئة الأولى عند حوّاء وآدم كان الفضول لذا سأناقض فرويد وأقول إنّ الفضول وحبّ الاستكشاف هما المحرّكان الأساسيان لكلّ أفعالنا أو على الأقلّ لأفعالي أنا!

في معظم لغات العالم هناك شتائمٌ يكون محورها الوالدان, حيث يُقال "ابن كذا" و"ابن كذا", فهل قصد ماغريت من خلال تسمية اللوحة "بابن الإنسان" أن يشتم البشريّة؟! رسمها عام 1964

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.