المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم عيناتي Headshot

تراجع الدور اللبناني

تم النشر: تم التحديث:

تترنح لبنان اليوم بين قوتين لا ترحمان ، القوى السعودية على جهة و القوى الإيرانية على الجهة الأخرى ، و كأني بجبال لبنان تئنّ من الألم و لكنها تئنّ و هي واقفة شامخة ، فقدر الجبال أن لا تنهار رغم السنين و رغم البياض الذي يكتسي رأسها ، يخترق هذا الأنين جميع الحدود و الأزمنة ليستنهض الماضي و لكن دون جدوى.

كانت لبنان مصدر إشعاع تنويري يضيء المنطقة من حولها من خلال التعليم و الفن و الأدب و الترجمات و الصحافة و العمل المؤسساتي ، و لعلنا نعجز عن ايجاد نقطة بداية تاريخية لهذه الشعلة الحضارية ، و لو ابتدأنا من المرحلة العربية ، أي ما بعد غزو الجيوش الإسلامية بقيادة خالد بن الوليد التي حولت اللغات الأصلية لأهل البلد من إغريقية و غيرها إلى اللغة العربية ، فإننا سنجد علامات الوعي من خلال التمردات الشعبية المتكررة على الجزية التي كانت تفرض على الناس في وطنهم الأم من قبل مبعوثي الخلافة الإسلامية الوافدة.

كما شكلت الحملة الفرنسية و من ثم عهد المتصرفية الزاهر "متصرفية جبل لبنان" و تحول بيروت إلى نقطقة التقاء الغرب و علومه و ثقافته و صناعته و تجارته بالعرب البدائيين ، كل هذه العوامل شكلت معالم بداية الطريق لنهضة عربية ضد دولة الخلافة ، و على الطريقة الغربية بدأ المجتمع المدني يتشكل و يتنظم على أساس قومي بعيداً عن الدوافع الدينية و القبلية ، و لعبت لبنان أيما دور في ولادة و تمرير هذا المشروع القومي على اتساع الصحراء العربية عبر مطبوعاتها و أدبها و فنها و ترجماتها.

و لكن اليوم مع الأسف تتراجع لبنان عن تحقيق أي دور تنويري في المنطقة ، ربما لأسباب سياسية بالدرجة الأولى ، حيث أن السياسيون يملكون السلاح و المال و القرار و الإعلام و أي صوت يغرد خارج المألوف و خارج التحالفات الدينية السياسية القائمة سوف يكون أقلية غير مسموعة وإذا سُمع ربما يتعرض للتصفية ، لذلك فالأمن الشخصي لازمة مهمة من لوازم السياسي اللبناني ، لقد استحال لبنان ، و بكل أسف ، إلى مصدّر للعنف و الطائفية بعدما كان مصدّراً للحضارة و التنوير ، و قد تخلو الساحة في هذه المرحلة من اللبنانيين الليبراليين و كأن قطار الزمن كان مربوطاً بقلب ميشيل عفلق فتوقف الزمن عندما توقفت نبضات قلبه.

تحول علمانيو لبنان إلى فريقين لا ثالث لهما ، علمانيون يؤيدون السعودية وعلمانيون آخرون يؤيدون إيران ، كانت لبنان أول جمهورية عربية ، أما اليوم فهي مجموعة قبائل وعوائل وطوائف وبلا مجتمع مدني حقيقي ، حتى في الأنظمة الوراثية أو الجمهوريات الديكتاتورية يكون هناك عائلة واحدة تستنزف خيرات البلد ، أما في لبنان الصغير فهناك أكثر من عائلة و أكثر من قبيلة تتوارث قيادة الحزب و قيادة الطائفة على حساب لبنان الوطن. في الوقت الذي نشهد فيه تطور عدة دول و أنظمة في المنطقة نشهد اللبنانيون يهتفون لقائد الحزب الممثل للطائفة الوارث للمنصب "بالروح بالدم نفديك يا رئيس" وهم الذين قادوا التنوير في السابق ، اللبناني يقتل اللبناني و هم الذين علموا العرب الوحدة ، اللبنانيون يبنون العالم و يهدمون بلدهم ،، عذاري تسقي البعيد و تترك القريب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.