المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم الدفراوي Headshot

موجز تاريخ البذاءة!

تم النشر: تم التحديث:

"لا يجب للراديو أن يجعل من أي رجل سجيناً ولا يحق له استعباد أحد. لا يجب أن يُجْبَر أحدهم على الاستماع أو الامتناع عن الاستماع إليه. دوماً وفي كل مكان، يجب أن يحق للمرء أن يطفئ المذياع، بكامل حريته، إذا أراد".

جزء من إعلان عنوانه "حرية النظر، حرية الاستماع" بإمضاء ديفيد سارنوف
رئيس مجلس إدارة شركة الإذاعة الأميركية (آر سي إيه) 1947

قبل أسابيع من ظهور هذا الإعلان (وهو مجرد إعلان ترويجي لا يقارب الحقيقة إلا بقدر ما تقاربها الدعاية الانتخابية) بالمجلات الأميركية، كان عدد من المعارضين المحافظين بالمجر، ينظمون اجتماعاً تحت عنوان "حرية التعبير والاجتماع". قبل ذلك الاجتماع بأسبوع واحد، ظهر ماتياش راكوشي، الحاكم الفعلي للمجر وقتها، مصرحاً أن الكلام عن "انقلاب عسكري" بالمجر محض إشاعات مغرضة وأن الحكومة الائتلافية ما زالت تحكم المجر.

لاحقاً في يوم الاجتماع المذكور، قامت قوات أمن راكوشي بالقبض على المجتمعين، مبررين ذلك، دون أن يجفل أحدهم كما أوردت الصحف لاحقاً، بأن الحرية لا تعني حرية التحريض على الفوضى.

كان القرن العشرين قرن المصطلحات الكبيرة، أو قل قرن تأويل المصطلحات الكبيرة. كان العالم المنقسم وقتها إلى معسكرات كبيرة تستخدم ذات المصطلحات ولكن بدلالات شديدة الاختلاف.

الشيوعية التي كانت تعني في روسيا حكم الطبقة العاملة، كانت في نفس الوقت تستخدم في أميركا لوصف كل ما لا يحبه المواطن الأميركي، معارضة السلطة، معارضة الحرب، معارضة التمييز الإثني. كلمة الوطنية التي كانت تعني في الغرب الاصطفاف وراء السلطة في حروبها مهما كانت الكلفة الإنسانية والأخلاقية كانت تعني في الشرق، غالباً، تحرر المرء من أي التزام بالمنطق العقلاني.

كان مصطلح "الوطن" حاضراً في كل النقاشات: فالحرب جيدة لصالح الوطن، والتمييز ضد النساء جيد لمصلحة الوطن الذي لا تصلح لإدارته النساء، حتى أنه، في أميركا، ومع ازدهار صناعة السينما في منتصف القرن العشرين، شكلت الكنيسة الكاثوليكية كياناً رقابيًّا على الأفلام المنتجة سُمي- حرفيًّا لا مجازاً ولا تهكماً - "فيلق الحشمة الوطني" في الوقت نفسه الذي كانت فيه مجموعات من الشباب تتظاهر ضد "الفحش" السينمائي والأدبي بالشوارع وهم يحملون العلم الأميركي مساوين بين الفحش/البذاءة وبين انعدام الوطنية.

كان مفهوم "الفحش" نفسه أشد التباساً من مصطلح "الوطنية" ذاته. وعلى الرغم من التباس مفهوم "الفحش أو البذاءة" فقد احتوت عدد من دساتير العالم الغربي وقتها تعريفات محددة، ولها حجة قانونية "للفحش" أمكن بموجبها عقد محاكمات أخلاقية لأعمال ومصنفات فنية شتى.

في أميركا، كان القانون يترك للقضاء الحكم على المواد الفاحشة بواسطة "اختبار هيتكين" والذي يحكم على المادة "بالفحش" إذا ارتأى القاضي أنها من الممكن أن تفسد أخلاق أولئك الذين في نفوسهم مرض!

ومع ذلك ولأن المسألة ملتبسة، كان الموضوع متروكاً، حقيقة، للقاضي بصفته الشخصية، فتارة يصرح قاضٍ ما أنَّ ما أمامه من كتب ما هو إلا "كتلة من الدنس المقزز والقمامة الخالصة"، ومع ذلك فهي "ليست فاحشة بالمعنى القانوني"، وتارة أخرى تجد قاضياً يصادر إحدى المطبوعات باستخدام نفس مواد القانون بدعوى هدمها للثوابت القيمية في المجتمع.

في السينما، وفي هوليوود تحديداً التي كانت أكثر تزمتا من مثيلاتها بأوروبا، كانت القبضة الرقابية أقل وطأة مقارنة بالمطبوعات، وتم وضع رقيب ذاتي من صناع الفيلم لضبط الأداء الأخلاقي للصناعة!

ولأن تلك الأشياء مساخر في حد ذاتها، فما كان يحدث، تجنباً لمنع العرض، هو أنه كان يتم تعديل السيناريو حتى لا يفلت ممثل مذنب من العقاب الأخلاقي إلا بالتوبة!

فإذا قام البطل، مثلا، بممارسة الفاحشة قبل الزواج، يشترط الرقيب حتى يتم منح الفيلم "ختم" الرقيب أن يضاف إلى الحوار جملة يعلن فيها البطل شديد أسفه عن تلك العلاقة الآثمة، وإلا سيضطر الرقيب إلى تعديل السيناريو، بحيث يصاب البطل بمرض مزمن في نهاية الفيلم جزاء بما كسبت يداه في أوله!

كان تعريف الرقيب السينمائي نفسه للفحش ملتبساً، ففي الوقت الذي سمح فيه بأفلام بها مشاهد اغتصاب ومناقشات عن الإجهاض المرفوض والمدان أخلاقيًّا في المجتمع الأميركي وقتها، كان الرقيب يوصي بحذف ألفاظ "اللعنة" و"الجحيم" من بعض الأفلام الأخرى.

وعلى بعد أكثر من 5000 كيلومتر مما سيصبح عاصمة السينما العالمية، كان هناك بريطاني مرموق، مثقف أرستقراطي عرف شعبيًّا باسم "قاتل البهجة المتزمت" أو "الخالة سالي".

"فرانسيس أونجيير باكنهام" الإيرل السابع للونغفورد، الكاتب والأكاديمي ذو الدماء النبيلة كان يعرف اختصاراً باسم "السيد برونوغرافيا" لأسباب بعيدة تماماً عن ضبطه متلبساً بإدارة ماخور أو العثور على مجلات إباحية تحت سريره، فالرجل تم وصمه على خلفية تأليف كتاب كامل من 500 صفحة لمهاجمة البورنوغرافيا ذاتها. وبالإضافة إلى التنظير الأخلاقي المجرد، حوى الكتاب عدداً من مسودات لمشاريع قوانين مقترحة تقضي بالسجن على منتجي المواد الإباحية وتوصيات بتفعيل أكواد أخلاقية للتلفزيون والراديو وتقييد التثقيف الجنسي بالمدارس.

الموضوع كله بدأ بعرض مسرحي على قدر من الخلاعة يدعى "أوه كالكوتا". ذهب اللورد بكامل إرادته لمشاهدة العرض فتقزز ثم أصابه الإعياء ثم عكف على كتابة خمسمائة صفحة من القطع الكبير عاونته عليها زوجته، التي لم تفلت من اللقب كـ"السيدة بورنوغرافيا"، والتي كان شعر رأسها يقف هي الأخرى عند قراءتها لبعض النصوص الأدبية الخليعة.

المهم أنه على خلفية تفاهات كهذه، مُنِعَ البشر من قراءة أعمال والت ويتمان و"د.هـ. لورنس" و"جيمس جويس". وأثبتت التجربة أن التشريعات الأخلاقية التي منعت "سخام أدبي" حجبت أيضاً جواهر أدبية. كما أثبتت التجربة مرة أخرى، أن حرية السينما التي أتت إلى أميركا بجسد "بريدجيت باردو" للمتعة الخالصة سمحت أيضاً بأفلام بيرجمان الدسمة من حيث المحتوى.

لحسن حظ الحضارة الإنسانية ولسوء حظ أمثال السيد بونوغرافيا، فقد جاءت الستينيات أخيراً بزخمها وبوعيها وبروحها المتمردة على حشمة العصر الفكتوري، وأجبر الحراك المجتمعي وقتها مشرّعي الدول، على خطوات سبق فيها بعض الدول بعضها، على التخلي عن تلك الوصاية والاعتراف أنه لا يمكن تعريف الفحش/البذاءة تعريفاً واضحاً معمماً يمكن الاستناد إليه لاستصدار عقوبة أو الدعوة إلى مصادرة.

وانتهت إلى ذلك أعوام طويلة من النزاع على تعريف قلة الأدب وتم ترك الموضوع عند حرية المرء في أن يطفئ المذياع أو التليفزيون أو يلقي الكتاب الذي بيده في أقرب صفيحة قمامة، بكامل حريته، إذا أراد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.