المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم الدفراوي Headshot

نقطة "زابريسكي" .. كنّا هنا!

تم النشر: تم التحديث:

تخبرني ليليان، صديقتي الشغوفة بالسينما بشكل عام والمحبة للسينما الإيطالية بشكل خاص، أنها لا تحب "مايكل أنجلو أنطونيوني" كثيراً، وذلك في معرض حديث عن فيلم "أنطنيوني" الأكثر إثارة للجدل "نقطة زابريسكي".

يهاجم النقاد ومحبو السينما الفيلم عادةً على خلفية معاداة أميركا بشكل مباشر وفجّ وأشياء أخرى لها علاقة بسذاجة طرحه لفكرة الثورة والثقافة المضادة وافتقار ذاك الطرح للنضج. ربما لهذا السبب تحديداً أحب الفيلم، أرى في تلك السذاجة رومانسية محببة وممثلة لحالة الثورة بشكل عام كفعل عشوائي يطالب بتغيير أكبر من ذلك المطروح واقعاً، محض أحلام إذا ما قورنت بثقل وطأة الواقع، مطاردة كل ما لا يطرحه الواقع كخيار، كل ما لا تؤدي إليه الخطوات الرتيبة الاعتيادية.

ينقسم الفيلم إلى فصول، ليس على طريقة الرواية التي تنساب أحداثها بشكل متماسك، وإنما على طريقة المجموعة القصصية التي يمكن استشفاف وحدة كاتبها عن طريق تكرار التيمة أو تشابه الأبطال.

اجتماع ثوري

مجموعة من الشباب.

الحماس بادٍ على وجوه الجميع، بحيث يمكنك أن تستعيض عن الصوت بنظرات الوجوه، وتجزم أن أولئك الشباب ذوي العروق النابضة يخططون لخطب ما. يتنازعون حول دور كل منهم في تنظيم الاعتصام. مناوشات ومزايدات من الطلبة السود مدّعين أنهم أكثر ثورية؛ لأنهم في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن بحكم الاضطهاد العرقيّ، ثمة إشارة لفكرة طبقية أصيلة لها علاقة بكون الطلبة البيض "المرتاحين" قطعا أقل ثورية فقط لأنهم "مرتاحون" وأنه لا بد للثوري من تاريخ نضالي ما حتى يشارك بأي تحرك على الأرض!

خضت أنا نفسي تلك المناقشات مراراً. لا بد أن تحمل مظلمتك "الشخصية" على كتفيك كشارة الجندي قبل أن تشارك أي جمع من البشر ثورتهم. يجب أن تكون ثورتك مسألة بقاء لا محض اختيار. لم أفهم! أليس مجرد التمرد على السلطة فعلاً حرًّا بالمقابل للفعل المقيّد بقوانين السلطة التي يتفق الجميع على أنها ظالمة؟!

أليست قدرتنا على تحدي ما يريدونه، حتى وإن كان بتفاهة أن نلزم بيوتنا، لوناً من ألوان الحرية؟ الحرية التي هي مكسب بحد ذاتها بعيداً عن ميزان المكاسب والهزائم المادية؟

قد تكون مكسباً هزيلاً، ولكنني بنت، في بلد يحكمه الذكور، كانت تلك المرة الأولى لكثيرات منا، أقصد القدرة على الفعل والتعبير، التمرد، القدرة على التأثير. كان يمكن لنا، في ميادين الثورة، أن نتخلى عن المساحات المفروضة عنوة بين البنات والرجال، أن يعلو صوتنا بعد سنوات طلب منا فيها، دوماً، أن نخفض أصواتنا كعلامة على التهذيب.

كان يمكن لنا أن نتشبه بالرجال هيئة وفعلاً دون أن يزجرنا أو ينهرنا أحدهم، فلا أحد يهتم لنا هنا، كان صديقي المتشدد يمسك يدي ليفلتني من قنبلة غاز أو غيرها دون أن يعبأ بما قد يقوله الناس للمرة الأولى. كنا أحراراً، على الأقل في الأيام الأولى.

لم أكن وقتها، بنتاً أو ولداً، كنت محض جوهر يسعى على قدمين. تمت جنوستنا لاحقاً كجزء من حملة تشويه لم تكن الأخيرة، ولكن في الأيام الأولى للقصة، لم أكن أكثر من إنسان.

السجن للجميع..والسخرية من السلطة أيضا.

يتحدث الشباب عن العنف الثوري، طيلة العشرين دقيقة الأولى من الفيلم، ولكن من يمارسه حقًّا هو أفراد الأمن. يمارسونه دون نقاش، أو تنظير. يسلبون الشباب حيواتهم دون كلمة واحدة، وبالمقابل يمارس الشباب نوع العنف الوحيد الذي يجيدونه إجادة تامة: السخرية والبذاءة. منذ أربعين عاماً وحتى اليوم، لم يغضب الدكتاتور إذا قَتَلت أحد جنوده، ولكنه يستشيط غضبا إذا مثلته في كاريكاتير هازئ!

في أحد الأزقة، يقود "طوم" -الممثل الذي لم يكلف "أنطنيوني" نفسه عناء تغيير اسمه الحقيقي- سيارته بينما يلوح لضابطين مرَّا إلى جانبه بعلامة النصر، وما يلبث الضابطان أن يبتعدا حتى يثني "طوم" سبابته تاركا إصبعه الأوسط ممدوداً في وجه الضابطين اللذين كانا أبعد من ملاحقته!

وفي ردهة إحدى الشركات، تدعي "داريا" -الممثلة التي لم يكلف "أنطنيوني" نفسه عناء تغيير اسمها الحقيقي هي الأخرى- نسيانها كتاباً على سطح الشركة التي تعمل بها بدوام مؤقت، يمنعها فرد الأمن عن الصعود لاستعادته بدعوى القواعد. تقابل صاحب الشركة بينما يخطو خارج المصعد وتخبره أنها نسيت شيئاً ما على السطح وتسأله إذا كان بإمكانها استعادته، وقبل أن يقرر صاحب الشركة إجابتها، يقاطعه فرد الأمن مشدداً، ببلاهة رجل أمن جُبِلَ على شيطنة وسائل التعبير بأنواعها، على أن الشيء المنسيَّ كتاب، "نسيت كتاباً"، يقول.

يكمل "أنطنيوني" حفلة السخرية في القسم، حيث يذهب "طوم" لزيارة أحد زملائه الذين قُبض عليهم من حرم الجامعة، فيسأله المحقق عن اسمه، ليجيبه "طوم" بأداء مسرحي ساخر "ماركس. كارل ماركس" في حين يدوّن الشرطي الاسم دون أية ملاحظات، بينما يخبر زميله، على بعد خطوات، "أستاذ تاريخ" محبوس أن لقبه الوظيفي طويل وعليه سيتم تسجيله كـ"موظف" في محاضر التحقيقات!

موت هذه المدينة

إعلان عن الهروب من زحمة المدينة إلى المنتجعات المشمسة خارج المدينة، حيث المساحات الخضراء وملاعب الجولف وحياة الرفاهية الخالية من القلق، بينما يهتف الطلبة "السلطة للشعب" ردًّا على هجوم أفراد الأمن. على إحدى اللافتات الإعلانية، تبدو أسرة مكونة من أب وأم وطفل حبيسة وراء القضبان، يبتعد أنطنيوني بكاميرته مضمّنا جزءاً أكبر من المشهد داخل الكادر ليكتشف المشاهد أن تلك القضبان هي القضبان الموجودة بالتاج ذي السبع أسنة الذي يعلو رأس تمثال الحرية بنيويورك وأن الإعلان هو إعلان لزيارة التمثال.

لعبة قديمة! أعرف! القيم الاستهلاكية وتقييد حرية الفرد وقيم الدولة التي تمثل سجنا لمواطنيها في الوقت الذي تدعي فيه أنهم أحرار تماما، لكنها تظل لقطة حاذقة عموماً. في الوقت الذي يسعى فيه البرجوازي إلى الهروب من المدينة إلى مكان أكثر لطفاً واستيعاباً للحياة، وبعداً عن صراعات المعيشة اليومية، والذي يسعي فيه "طوم" و"داريا" إلى خارج المدينة سعياً عن مساحات أكثر رحابة وحرية بعيداً عن السجن الحرفي الذي يقبع فيه زملاؤهما دون أن يقابل أحدهما الآخر بعد، يظل المواطن الشريف العفيف محبوب الدولة حبيس قيم حريتها الجامدة، مستهلكاً لمنتجاتها وسعيداً وراء قضبان سجونها المموهة بعناية!

"زابريسكي بوينت"- "نقطة زابريسك"ي

يسرق "طوم" طائرة لأنه أراد أن يشعر بأنه بعيد عن الأرض، وتتجه داريا إلى إحدى البقاع النائية للتأمل والاستجمام.

يتقابل "طوم" و"داريا" دون سابق معرفة بينهما على غير هدى حتى يجدا أنفسهما أمام لافتة "نقطة زابريسكي": مساحة من البحيرات الجافة التي نحتتها عوامل المناخ سفوحاً وتلالاً صخرية تتوسطها قمة صفراء بارزة تعد بمثابة منارة. نقطة "زابريسكي" التي لا يحتل ظهورها في الفيلم أكثر من 20 دقيقة هي بطل الفيلم حيث يمثل العالم الموازي الذي يحلم به الشباب بعيداً عن أسلحة الشرطة وهراواتها، وعن السلطة الأبوية التي يمثلها أنطنيوني في مجموعة العجزة القابعين في مقهى على الطريق، أحدهم ما زال يباهي "داريا" بمنجزه الرياضي الذي حققه منذ خمسين عاماً، وبعيداً عن قيم المجتمع فيما يتعلق بالأخلاق والصواب وبالجنس الذي يمارسانه "طوم" و"داريا" وآخرين في وسط الصحراء كالأرانب البرية!

بالتوازي مع هزيمة الطلبة في المدينة، أمام بطش الشرطة، يمهد "أنطنيوني" لحرمان الشباب من أحلامهم في "زابريسكي" فعلى بعد خطوات من ملاذ الشباب الهادئ، تتوقف شاحنة عليها ملصقات إعلانية لمحال وجبات سريعة بينما يقترح صاحبها، الزوج البرجوازي البدين الذي تصاحبه زوجته البدينة ذات البرنيطة والكاميرا وهيئة السائحين، أن يتم تعبيد الطريق وسط الجبال حتى يمكنه أن يجوب المنطقة دون مغادرة السيارة.

هبوط حزين وسماء مفعمة بالألوان

في النهاية، يقرر طوم إعادة الطائرة وهو على علم بالعواقب، ولكن رغبة في تخليد الذكرى وترك الأثر تدفعه و"داريا" إلى دهانها بألوان صاخبة وتزيينها برموز طفولية كجزء من تصريح ضمني يقول "لقد وُجِدْنا. وهذه آثارنا". وبينما يهبط "طوم" بالطيارة، تجهز عليه قوات الأمن دون أن تبدر منه بادرة عنف. يبدو لي في أول الأمر أن موته عبثي تماماً وأن قتله بمثابة إمعان في الإذلال والتأكيد على الهزيمة، فـ"طوم" لم يقتل الضابط الذي قتل في حرم الجامعة ولم يقتل ضابطاً آخر منعته عنه "داريا" في طريق العودة من زابريسكي، ولم يشارك في اعتصام الجامعة، ومات في سرقة طائرة قديمة مزركشة.

على الرغم من الهزيمة وتبدد الحالة الحالمة، يخلف موت "طوم" غضباً وحقداً في نفس "داريا" التي تقف أمام منزل مديرها حانقة بينما تتصور تفجير المنزل وتشظي محتوياته في الهواء؛ كل رموز الاستهلاك من منظفات وأجهزة تلفزيون ومعلبات وخزانات ملأى بالملابس السينييه. يخرج أنطنيوني المشهد بعناية، فيصور السماء وقد حولتها الشظايا إلى جداريات ملونة بهية كنقطة ضوء وحيدة في مشهد موغل في البؤس.

يقطع الحركة البطيئة للشظايا المتناثرة مشهد الغروب ليؤذن بنهاية الحركة والحلم، فـ"طوم" ميت والاعتصام انتهى أمره و"زابريسكي بوينت" سيتحول إلى متحف مفتوح بينما صوت روي أربيسون يشدو في الخلفية:

"هناك مكان تُسمَع فيه الشمس وهي تغرب
تُرَى فيه الريح هاربة مع الأمس
مكان لأولئك الذين يهتمون
ينفد الوقت سريعاً على حبٍّ، مازال فتيًّا، ولكنه أجمل من أن يستمر"

مشهد النهاية

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.