المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم الدفراوي Headshot

وثيقة الفاشية .. نصوص خادشة للحياء العام

تم النشر: تم التحديث:

"ليس هناك أي فعل معفى من الحكم الأخلاقي؛ لا يجب تجريد أي نشاط من القيمة التي تمنحها إياه الأغراض الأخلاقية. الحياة كما يجب أن يتصورها الفاشي، جدية، متقشفة، ودينية؛ حياة تتوازن كل مظاهرها في عالم تحكمه القوى الأخلاقية والمسؤوليات الروحية."

من الوثيقة المؤسسة للفاشية، كتبها بينيتو موسوليني وجيوفاني جنتيلي ونشرت للمرة الأولى عام 1932.

قرأت منذ أيام ورقة أكاديمية كتبها أستاذ فلسفة معاصر عن جيوفاني جنتيلي، وهو، لمن لا يعلم، فيلسوف موسوليني الخاص وترزي التنظيرات الفلسفية التي أسست على قواعدها أمجاد الفاشية الإيطالية؛ كان جنتيلي يمثل لموسوليني ما مثله هيكل لعبد الناصر مثلا. المهم أن أستاذ الفلسفة ذاك دأب على تضمين نصوصا لجنتيلي بحرفها متبوعة بعدد من علامات التعجب دون تعليق لأنه ارتأى أن نصوص الرجل المجردة لا تحتاج إلى تفكيك أو نقد، هي في الواقع لا تعني أي شيء على الإطلاق، لم يقصد أن منطقها متهافت، وإنما قصد أنها، حقا، لا تعني شيئا لأنها غير مفهومة بالأساس. مجموعة من الكلمات المتراصة جنبا إلى جنب دون رابط أو معنى، بالضبط كما هي الحال في النص الذي افْتُتِحَت به هذه التدوينة. كان يرى أن التنظير لنظام حكم على هذا القدر من الدموية لابد وأن يكون مجردا من أي منطق.

في النهاية، يجب أن يكون المرء معتوها حتى يصل إلى درجة الدفاع عن الفاشية، بل والدفاع عن "أخلاقيتها" أيضا!

النسخة الإنجليزية التي اقتبست منها نص الافتتاح تتكون من 33 صفحة وردت فيها كلمة أخلاق بتنويعاتها أكثر من 50 مرة. وهي ظاهرة متكررة في خطابات دكاترة وفاشيي ونازيي القرن العشرين العظام، كان ثمة ولع سلطوي بالحديث عن الأخلاق في الوقت الذي كانت دماء البشر فيه تراق بداخل المعتقلات وأفران الغاز وأقبية التعذيب السرية مثل الماء الجاري. في الوقت الذي كانت صرخات الأطفال المذعورين والأمهات الثكالى تدوي بين جدران معسكرات التركيز النازية، كان هتلر يقف، بحماسته المعهودة، يخطب في حشد من البشر عن تبعات السماح بممارسة الدعارة على أخلاق المجتمع النازي المحافظ الجميل!

ثمة خلط تاريخي في دكتاتوريات القرن البائد بين "الضار" وهو كل فعل يهدد سلامة الآخرين وبين "المهين" وهو كل فعل/لفظ يمثل تحدي أو استفزاز لمنظومة "المهان" القيمية بحيث يصبح الضار مستساغا ومقبولا ويصبح المهين مجرما ومطاردا: يجوز جدا أن تَقْتُل على الهوية في الرايخ الثالث، ولكن لا يجوز أن تضاجع شخصا من نفس جنسك في قلب غرفة نومك. من الجائز أن يُقْتَل ملايين البشر (حرفيا) بمباركة دكتاتور مخبول كماو تسي تونج في غضون بضعة سنين ولكن ليس من الجائز، وفقا لمنطق نفس الشخص، أن تمارس الدعارة بموافقة جميع الأطراف المعنية.

هكذا أشياء كانت طبيعية جدا في تلك الأزمنة التي تخطاها ركب الحضارة وتجارب العيش المشترك، تم صياغة تلك التناقضات والمفارقات والمساخر في شكل "قالب أخلاقي" سعت تلك الأنظمة إلى تضمين أكبر عدد من المواطنين فيه، بترهيبهم من الفوضى أحيانا، وبمغازلة حسهم الوطني/الديني المحافظ أحيانا، وبالكلام عن مؤامرات تحاك بالأوطان أحيانا أخرى حتى اندلعت من تحت رأس أنظمة على هذا القدر من البلاهة حربا كبرى أودت بحياة عشرات الملايين من البشر.

كان الخروج عن القالب مرهقا والتعاطي مع منطق ملتوي كذلك المنطق مستحيلا. في كنف أنظمة كانت ترى أنه من "حقها" سلب البشر حرياتهم، كان الدفاع عن تلك الحرية في ذلك المناخ أشبه بمناقشة فكرة المساواة بين حق السارق في سرقة أموالك لأن تلك رغبته، وحقك في الدفاع عن تلك الأموال من السرقة. الصواب بديهي تماما وبداهته هي عين استحالة إثباته!

كان الموضوع صعبا ومرهقا كما قلت، كانت تلك سمة أخرى من سمات مجتمعات الفضيلة تلك، "يجب" على الحياة أن تكون صعبة. يتضمن النص المؤسس للفاشية المذكور سلفا كلاما عن الكفاح الدائم والتضحيات الدائمة، عن "أهمية" أن يعاني الفاشي الحق من أجل الوطن، ولكن لا يمكن لشئ أن يلخص المسألة أكثر من المرة التي سُئِل فيها موسوليني أن يلخص جوهر الفاشية في جملة واحدة، فرد موسوليني على الفور:
"نحن نقف ضد الحياة المريحة."!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.