المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم الدفراوي Headshot

ماذا يخبرنا التطور عن طبيعتنا الخيّرة؟

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يخبرنا التطور عن طبيعتنا الخيّرة؟

إذا كان لنا أن نعرّف "التطور" البيولوجي من وجهة نظر الكائنات الحية بشكل مختصر فيمكننا القول إن التطور هو ترقي/تغير/تأقلم/تكيف الكائنات بالشكل الذي يضمن إنجاب أكبر عدد من الأبناء بحيث يصبح النوع في مأمن من الانقراض.

أما إذا كان للجينات (وهي الوحدة الوراثية التي يتم تمريرها من الآباء إلى الأبناء وتشكل خصائصهم الظاهرية وبعضا من خصائصهم السلوكية) أن تعرّف التطور بدورها، فيجب أولا أن نعرف كيف يرى "الجين" العالم حوله:
الجين يرى العالم ببساطة كمسبح ضخم ملآن عن آخره بالجينات المختلفة، وإذا كان للجين مهمة وجودية ما، فهي أن يضمن وجود أكبر عدد من النسخ من ذاته بالمسبح عن طريق استخدام الكائنات الحية كأوعية لتمريره إلى الأبناء.

إذن فمن مصلحة الجين القاطن بجسم أحد الكائنات الحية أن يتكاثر هذا الكائن حتى يتسنى له تمرير نسخة جينية إلى أولاده ومن مصلحة الكائن الحي ذاته أن يتكاثر حفاظا على النوع.
الموضوع فردي تماما. نرغب ككائنات وترغب جيناتنا في امتداد حيواتنا حتى يتسنى لنا الإنجاب والتكاثر.
وعلى الرغم من ذلك فثمة سلوك اجتماعي تم رصده بالمخالفة لقوانين التطور التي تبدو وكأنها تعلي من قيمة "الفردية" أو "الفردانية".

في عمق قارتنا السمراء، يقوم قرد الفرفت (وهو سعدان لطيف له أهداب بيضاء ساحرة) بتحذير رفاقه عندما يلمح أحد الكائنات المفترسة أو يتحسس بعض الخطر. يكلف هذا التحذير القرد حياته في بعض الأحيان؛ لأن ذلك التحذير الصوتي غالبا ما يلفت نظر الوحش القادم إلى مصدر الصوت. تلك الإشارات الصوتية التحذيرية منتشرة في العديد من فصائل الطيور والخفافيش والقردة.

وعلى مقربة من جماعة القردة تلك، تقوم، في فصيلة أخرى، بعض القردة بتنقية أجسام رفاقها من الحشرات ونحوها وهو أيضا سلوك لا يعود بفائدة مباشرة على القرد أو قدرته على التكاثر.
يجب أن أشير هنا إلى فرق واضح بين السلوكين المذكورين، فالأول سلوك يكلف الكائن الحي حياته وينتقص من لياقته بالمعنى التطوري والثاني سلوك يمكن أن يكون متبادلا فيحدث أن يفلّي القرد أخاه فيقوم الآخر بتفليته بالمثل.

فلنرجع إلى السؤال الرئيسي هنا: إذا كان سلوك ما (السلوك الأول) يكلف الكائن حياته فلِمَ استمر؟

تخيل معي أن هناك قردا ميكافيلِّيا شرير قرر أن يستفيد هو شخصيا من السلوك المتفاني لقرود المجموعة دون أن يقوم هو نفسه بذات التضحية إذا تطلب الموقف، ألا يحوز هذا القرد الحسنيين: فوائد التضحيات المقدمة من باقي القردة ومزايا الأنانية من حيث الحفاظ على النفس والجينات والقدرة على التكاثر؟

وإذا بقي هذا القرد ألا تبقى معه جيناته وتُمَرّر ومعها هذا السلوك الأناني؟

يقترح العلم هنا عدة إجابات لم تثبت صحة إحداها بشكل قاطع حتى اليوم:

الإجابة الأولى: هي أن التطور يعمل على مستوى الجماعة ككل كما يعمل على مستوى الأفراد. بمعنى أن الطبيعة تقيم لياقة الجماعة إلى جانب تقييمها للياقة الكائنات فرادى. فالجماعات التي عرفت التضحية والتعاون طريقها إليها قد تكون فرصها في مواجهة المشاكل ونقص الموارد وتجنب النزاعات المسببة للموت والإصابة أفضل من الجماعات التي لا يجد الفرد فيها غضاضة أن يحيا ولو على حساب الآخرين.

الإجابة الثانية: تقول بأن الكائنات المضحيّة غالبا ما تضحّي في سبيل الأقارب الذين يحملون عدد من الجينات المتشابهة بحكم القرابة. في بعض الحشرات وعلى رأسها النحل، وبسبب نظام تحديد جنس ملتوٍ لدى تلك الفصائل، تتشارك الأخوات الإناث في جينات أكثر من تلك الجينات المشتركة بين الأنثى وأولادها وهو ما يبرر ما تقوم به الإناث (الشغالات) في خلية النحل من رعاية الأخوات الإناث عوضا عن التكاثر.

والإجابة الثالثة: هي أن "الإيثار" كسلوك اجتماعي قد لا يعتمد على مكوّن جيني/وراثي أصلا، قد يكون الأمر كله أن الكائنات الحية، كما هي الحال في عدد كبير من السلوكيات، تعلمت التصرف بنبل عن طريق المحاكاة ليس إلا.

في نهاية الأمر، تظل المشكلة أن التفسيرات العلمية التي يمكن أن نستعين بها للوقوف على المسارات التي سمحت بتطور سلوك التضحية في الحيوان والأوليات لا يمكن مدها على استقامتها لتشمل الإنسان، فالإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يظهر استعدادا للتضحية بنفسه/بموارده من أجل بشر آخرين لا يتشاركون في المادة الوراثية ولا تربطهم صلة قرابة وأحيانا لا يربط بينهم القرب الجغرافي حتّى.

والغريب أن هذا السلوك الذي لا يعود على الفرد بمنفعة تطورية تذكر لم يستمر فقط، وإنما ساعدت الطبيعة في تكريسه بحيث أصبحت أدمغتنا البشرية تفرز مادة الـ"دوبامين" المسئولة عن إحساس المرء بالسعادة عندما نضحي بشيئا من مواردنا من أجل آخرين.

وإذا كان العلم لم يحسم المسألة بشكل قاطع بعد، فعلى الأقل لدينا من المعارف والتجارب المعملية والاجتماعية ما يسمح لنا أن نؤكد أن الطبيعة وآليات تطورها تحبّنا أخيارًا نبلاءً.

المصادر:
http://plato.stanford.edu/entries/altruism-biological/
http://www.anth.ucsb.edu/faculty/gurven/anth169/punishment_in_animal_societies.pdf
http://www.bumblebee.org/Haplodiploidy.htm
http://scan.oxfordjournals.org/content/early/2010/10/28/scan.nsq083.full

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.