المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم الدفراوي Headshot

كيف تخدعنا الأرقام؟

تم النشر: تم التحديث:

ظلت الأرقام دوماً تمثل أعلى درجات اليقين بالنسبة للإدراك البشري. وعلى الرغم من ذلك فثمة اختلاف قاطع بين المعادلات الحسابية المجردة وبين ما يفعله إدراكنا البشري بنتائج هذه المعادلات للوصول إلى استنتاج أو قرار.

يتساءل جيرج جيجيرنزر في كتابه الأشهر "المخاطرات المحسوبة": إذا علمت أن ارتفاع نسبة الكولستيرول بالدم يزيد من احتمالات الإصابة بالذبحة الصدرية بنسبة خمسين بالمئة، فهل يجب أن يشكل هذا فارقاً عند تلقيك لنتيجة إحدى التحاليل الطبية التي تخبرك بأن دمك معبأ بالكولستيرول الضار؟

في الأغلب، لا. 50% رقم جد كبير. ولكنه يبدو كبيراً فقط لأنه صيغ بهذه الطريقة. في الحقيقة أنه من بين كل مئة شخص بمعدلات كولستيرول طبيعية، يصاب اثنان منهم بالذبحة الصدرية مقارنة بأربعة أشخاص من كل مئة شخص يعانون من ارتفاع بالكولستيرول. أي أن الزيادة الحقيقية هي شخصين في كل مئة شخص أي 2%، لنضعها لهذه الطريقة: من بين كل 100 شخص مصابون بارتفاع بكولستيرول الدم، 94 منهم لن يصابوا بالذبحة الصدرية.

وإذا نثرنا بعض الحبوب على الأرض بشكل عشوائي، قد يحدث أن تتكتل الحبوب عند بقعة ما بشكل أكثر كثافة من سائر البقع. وسيهرع البشر إلى البحث عن تفسير لهذا الوجود الجغرافي الكثيف للحبوب فوق هذه البقعة بالذات باستخدام إحصاء دقيق ومتماسك.

الآن دعنا نستبدل الحبوب بمرض ما. سيلاحظ بعض العلماء وجود متزايد لمرض ما في البقعة الجغرافية، وبشكل تلقائي سيتغاضى معظمهم عن احتمالية أن يكون هذا من تداعيات التوزيع العشوائي، وسيبحثون في كل ركن عن تفسير للظاهرة، عن رقم يقول إن هذه الزيادة ومقدارها كذا تزيد بمقدار كذا عند وجود العوامل كذا وكذا. عن سبب نهائي أو عدة أسباب كوجود محطة توليد للكهرباء أو استهلاك سكان المنطقة لضعف كمية الشوكولاتة التي يستهلكها المواطنون في بقاع أخرى دون أن يعنى أحدهم بملاحظة أن مجرد الارتباط بين الظاهرتين جغرافياً ليس كافياً إطلاقاً لاعتبار واحدة سبباً في الأخرى.

لا أقصد تحديداً أن أهاجم محاولة البحث عن مسببات المرض ودراسة عوامل الخطورة والعمل على الوقاية قبل العلاج، ولكننا شهدنا ما لا يعد ولا يحصى من تلك الإحصاءات التي تربط بين ظاهرة ما وبين انتشار ظاهرة أخرى بشكل أقرب إلى القول إننا إذا وجدنا أن 70% من أصحاب الأحذية كبيرة المقاس يقرأون بشكل أفضل من أصحاب الأرجل الصغيرة، فذلك يعني أن ثمة علاقة سببية بين كبر حجم القدم ومهارة القراءة وإغفال التفسير المنطقي الوحيد، وهو أن أصحاب الأقدام الكبيرة في الغالب أكبر سناً ومن ثم أمهر في القراءة أو غيرها.

في مايو 2015، صرّح الدكتور هاني دميان، وزير المالية، بأن السياسة المالية للحكومة تستهدف الوصول بمتوسط دخل المواطن المصري إلى 5000 دولار سنوياً. هل يعني هذا أن العدد الأكبر من الشعب المصري سوف يتحصل على رقم مقارب لـ5000 دولار تلك زيادةً ونقصاناً؟

قطعاً لا. في الواقع، أن 25% من الشعب سوف تحصل على أقل من 1600 دولار سنوياً، وحوالي 45% سيحصلون على ما يقارب 3000 دولار سنوياً، بينما يحصل 35% الباقون على أكثر من 10000 دولار سنوياً ليصبح المتوسط حوالي 5000 دولار. أي أن حوالي 65% من الشعب (وهي أغلبية مطلقة) لن يصل دخلها أبداً إلى ما يقارب حتى 5000 دولار المزعومة!
ولكن بحساب متوسط الـ1600 والـ3000 والـ10000 دولار هذه (عن طريق جمعها ثم قسمتها على عددها) نحصل على الـ5000 دولار المتمناة دونما أي دلالة للرقم على أرض الواقع ودون أن يمثل هذا "المتوسط" أي قيمة حقيقية لأواسط الشعب المصري.

ومن هذه الرغبة في وجود نسق رقمي نشأت "معضلة فيرمي" التي تقول ببساطة إنه في وجود مليارات المجرات التي تحوي مليارات النجوم الشبيهة بالشمس ومليارات الكواكب الشبيهة بالأرض، لابد وأن تكون هناك حياة ذكية شبيهة بوجودنا الأرضي في جنبات الكون المرصود، وإذا كانت الحال كذلك، فأين هم هؤلاء الأذكياء؟!

طبعاً، ببساطة، لا يمكن للعقل البشري الذي يرى أن "الواحد في المليون" بمثابة معجزة، أن يتقبل فكرة أن نكون نحن البشر وحدنا في هذا الوجود الممتد وهو الحدث الذي تمثل احتمالية حدوثه واحد من كل سكتليون (1,000,000,000,000,000,000,000).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.