المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم أبو غضيب Headshot

القصور قشور

تم النشر: تم التحديث:

من طبع البشر ذكوراً كانوا أم إناثاً أن يتجمّلوا ويتعطّروا، وأن يختاروا من الثياب ما يطيب للعين النظر إليه، فمن قبل أن يأخذ الجنين أنفاسه الأولى نكون قد جهّزنا له حُلّة من الثّياب يغلب عليها اللون الأزرق أو الورديّ، فيكون الاختيار بحسب جنس المولود، وكثيراً من الأحيان نستبق جهاز السونار ونسارع في شراء ثيابٍ ذات ألوان محايدة، تليق بكلا الجنسين.

ومن هنا تبدأُ مُحفّزات العناية الفائقة بأنفسنا بالظهور، فتراها بمراحلها الأوليّة في طفلةٍ ذات أربع سنواتٍ تلبس الكعب العالي الخاص بأُمّها بينما هي تضعُ أحمر الشفاه بكل تركيز، وكأنّها نجمة سينمائية على وشك الصعود إلى المسرح!

كما للصبيان في هذا الشأن حضورٌ أيضاً، فترى تلك العلامات في مراهقٍ يقضي النصف الأول من يومه أمام المرآة يُسرّح شعره كي يبهر به بنات الحيّ خلال الساعات القليلة المتبقيّة من آخر اليوم!

نكبُر جميعنا ذكوراً وإناثاً وتكبر معنا هذه الصِّبغة، ومن ثم نُمسي نبحث عن حلول للتجاعيد وأخرى للشيب، وكلّها حلولٌ مؤقتةٌ تحتاج إلى التعديل والترميم خلال فترات وجيزة، فلا يقوى حينها أيُّ إكسيرٍ على إعادة الجسد كما كان..

من كُلّ هذا ومنذ اللحظة الأولى في المهد وحتى لحظاتنا الأخيرة في اللحد، ونحن ننسى تجميل ما هو صاعدٌ منّا إلى السماء، فنترك شوائب الدنيا من الكره والحقد والبغضاء تعكّر ما في أصله من صفاء، وفي كثير من الأحيان ننسى تزكيته بالمسك من كل شحناء، ينسى الإنسان "نفسه" ويتركها شعثاء، فنحنُ لا يشغلنا شيءٌ بقدر تحسين مظهر الأجساد وجعلها حسناء.

فيغدو عددٌ كبيرٌ من الشباب بأبهظ الثياب حُلّةً وأقلّ العقول غلّةً، متيقّنين أنّهم بمظهرهم سيمسحون عقول من يقابلونهم وسيأسرون القلوب، ويدخلون بهذا دوّامة النرجسية اللانهائية، والتي تُصعّب على الكثير منهم أهمّ جوانب الحياة كالعمل والارتباط; فيترفّع بعضهم عن عملٍ متواضع خلف مكتب صغير، ويتغلّى البعض الآخر على فتاةٍ عفيفة متوسّطة الجمال; فكيف له أن يلزمها دون النساء كُلّهن بينما هو دنجوان الزمان? والمثل ينطبق على الإناث، فتنفرُ الأنثى بدورها من هذا لأنّ خنصره كبيرٌ بعض الشيء، وترفضُ ذاك لأنّه مازال موظّفاً وليس مديراً أو رجل أعمال!

والمُحزن حقاً أنّ هناك خلف الكواليس يوجدُ فريقٌ كاملٌ يُربّى على تلك المبادئ، ويُهلّلّ لكلّ من على تلك الحال، ويدعو له بالبقاء عليها وبالثبات! فيتنوّع هؤلاء الدّاعمون بين أمٍّ تنتظر لابنتها زوجاً ذا جاه ومالٍ يلفُّ بها العالم، متغافلةً السؤال حتى عن "كرمه" التي وضعت فيه العشم كله لإسعاد ابنتها، فبالنسبة لها أنّه رجلٌ لا ينقصه شيءٌ إن كان يملك ذاك الفائض من الأموال، فلِمَ إذاً السؤال عن الأخلاق? ويأتي بعد ذلك أبٌ لا يقبل لابنه سوى أن يعمل مديراً أو - في حال تنازل - نائباً للمدير، فكيف يرضى لفلذة كبده أن يعمل في أقلّ من ذلك بينما أقرانه من أبناء العمّ يستطيعون إخراج المال من بطون الحيتان? فهو لن يسمح لأمثالهم من الغلمان بغلبة ابنه ذاته دنجوان الزمان!

تبقى تلك المظاهر تشدّنا حتى تصبح الحكم الفاصل لتقييم الناس في معظم جوانب الحياة، فقد أثبتت الدراسة التي أجراها البروفيسور تيموثي جدج في جامعة فلوريدا عام 2004 على أنّ كلّما ازداد طول الشخص إنشاً واحداً، فإنّه يحصل على زيادة في الراتب بمعدل 789$ سنوياً عن أقرانه الذين يحملون الكفاءات نفسها! ولا يقف الأمر على طول القامة فقط، بل يتعدّى إلى مدى متانة أو نحافة العاملين أيضاً! فالأشخاص الذين يزيد مؤشر كتلة أجسادهم عن ثلاثين، تقلّ مرتّباتهم سنوياً ليحصلوا على ما يقارب الـ9000$ للإناث و5000$ للرجال!

أليس من الغرابة أن يتم تكريمنا على شيءٍ لم تكن لنا يدٌ فيه والأغرب من ذلك أننا نفرح بتلك التكريمات ونقف فخورين بهذه الإنجازات الوهميّة! الإنجازات "الجينيّة" الوهميّة، التي لم ولن تكن لنا يدٌ فيها أبداً، فهي مجرّد نتائج لمعادلاتٍ بيولوجيّة لو تأمّلناها لأدركنا شيئاً واحداً فقط، شيئاً وحيداً لطالما وقد غاب عن بالنا... وهو أصل جمال الأجساد والوجوه كلّها... والذي ينبع من خالق الجمال نفسه، خالق الخلائق كلّها، فلو دُمنا نُذكّر أنفسنا بجمال الخالق لاستطعنا إدراك أنّ بداخل كل واحدٍ منّا نفخةٌ منه.. نفخةٌ تطغى على كل تلك المظاهر الجسدية والماديّة التي وضعنا لها قواعد وقوانين نُفرّق بها من اغمقّت بشرتهم عن غيرهم من البشر، ونظلم بها من ازداد بأجسادهم الشحم، ومن ثم نقرر أن نعيش بأسر تلك المظاهر كل يوم منذ الأزل وحتى حلول الأجل، مُتناسين ما في نفخات الخالق من محبةٍ ورحمة وعدل... فتتجلّى كُلُّ تلك النفخات في طفلٍ يُؤْثِرُ نصف شطيرته لطفلٍ آخر كان قد هزّ صوتُ معدته الجائعة قيعان البحار التي قطعها قُبيل تلك اللحظة.

وإن أطلقنا لأنفسنا العنان وأمعنّا النظر في كل الكائنات، فيُمكننا أن نرى الجمال مُختزلاً في نبتةٍ لا تنمو إلّا إذا مدّت الأرواح من حولها بالأوكسجين... ونجد بجانبها دودةً صغيرةً تسعى لصنع القطن لأجل بني البشر الذين بها قد لا يأبهون.. تتنوع معاني الجمال وتخجل أمامه الكلمات فهي لا تستطيع أن توصل ما يحمله من معاني، فلا يسعنا إلا أن نترقب لحظات الجمال بعين عاشقٍ مشتاق، وأُذُن طالب علمٍ شغوف، وجوارح كأجنحة الطير تسافر خلال أفق الجمال لتستقر في النهاية أينما وجدته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.