المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رضا صوايا Headshot

إنتحار في اليونان...وحب للحياة في لبنان

تم النشر: تم التحديث:

أظهرت دراسة نشرت في شهر شباط المنصرم أن معدل الإنتحار في اليونان زاد بنسبة قاربت 36% منذ تطبيق إجراءات التقشف الصارمة في حزيران 2011 على أثر الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد.

والإنتحار الذي ينتج عن الأزمات الإقتصادية ليس ظاهرة تتفرد بها اليونان. فالتاريخ حافل بقصص أشخاص دفعهم اليأس وفقدان الأمل بالأوضاع الإجتماعية والإقتصادية الى وضع حد لحياتهم.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة قام بها باحثون في جامعة زيوريخ ونشرت في شهر شباط الماضي أيضاً وشملت 63 دولة من حول العالم أن حالات الإنتحار ترتفع مع إزدياد معدلات البطالة.

لكن يبقى لليونان ميزة خاصة.

فعلى الرغم من أن الإنسان يميل في لحظات الشدة الى التعمق بالروحانيات و الماورائيات ويحاول الهرب من واقعه عبر الإرتقاء عامودياً بمصائبه والغوص في عوالم الدين و الفلسفة..فإن اليونانيين أحفاد الفلاسفة وورثة بلاد مهد الفلسفة إختاروا الإنتحار.

لم يحاول اليونانيون " فلسفة " مأساتهم. أدركوا أن الرأسمالية المتوحشة لا تتعايش مع الفلسفة وأن مدينة أفلاطون الفاضلة لا مكان لها في الإتحاد الأوروبي وأن " زيوس " ملك الآلهة أضعف من أن يواجه إله اليورو والدولار.

من بين العدد الكبير من الآلهة الذين تنبض بهم الميثولوجيا الإغريقية، إختار الكثير من اليونانيين " هيديس " إله الموت. لكن حتى الموت له ثمن. ومن حاول الهرب من اليورو لاحقه اليورو حتى الحياة الآخرة. فبحسب الأساطير كان الإغريق يدفنون الميت ويضعون في فمه عملة معدنية من أجل دفع أجرة عبور نهر ستايكس الذي يفصل عالم الأحياء عن عالم الموتى.

وإذا كانت تراجيديا اليونان قد كتبت منذ العام 2008 في أعقاب الأزمة المالية التي شهدها العالم والتي لا تزال إرتداداتها مستمرة حتى الآن، فإن التراجيديا اللبنانية عمرها من عمر جمهورية الأرز. ومع هذا يبرهن اللبنانيون عن قدرة عجيبة على التعايش مع الأزمات المتلاحقة التي تطاردهم و عن حب للحياة لا ينضب.

وكأن الدين العام الهائل الذي يرزح تحته الإقتصاد اللبناني و معدلات البطالة المرتفعة التي تدفع الشباب اللبناني الى الهجرة أفواجاً أفواج لا يكفيان، حتى إنفجرت أزمة النفايات لتختلط الروائح الكريهة مع روائح صفقات الفساد في ظل إنقطاع دراماتيكي للكهرباء يبدو أنه لا ينفع إلا لتعمية نظر اللبنانيين عن واقعهم الأليم.

جبال من النفايات ترتفع في شوارغ بيروت و ضواحيها تنافس عظمة جبل الأولمب، ومع هذا فإن المهرجانات تعم لبنان من أقصاه الى أقصاه.

وضع اللبنانيون أزماتهم على الأرض، تحلقوا جولها و دبكوا عليها. وقع أقدام الدبيكة تهز الارض. ولو إجتمعت هذه الأقدام في ساحات الإعتصام والتظاهر لكانت هزت الفاسدين والمفسدين و فتحت طاقة للأمل في جدار الأزمات السياسية و الإجتماعية والإقتصادية التي يعاني منها لبنان....لكن هز الخصر أبدى
في اليونان " فلسفة " وفي لبنان " تفلسف ". وما بين الفلسفة والتفلسف نهر ستايكس من نوع آخر، يفصل ما بين الإبداع الفكري والموت الفكري. طبعاً كل متفلسف يظن أنه فيلسوف ومن الصعب إقناعه بالعكس خاصة إذا كان يدخن النرجيلة في شارع غمرته النفايات و يحدثك عن أهمية المهرجانات في إغناء الموسم السياحي. إغناء حتى الطرب.

في اليونان تعدد للآلهة وفي لبنان عدد من الزعماء المؤلهين. الفرق الوحيد أن الزعماء في لبنان كلهم " هيديسيون ". وإذا كان الموتى الإغريق يدفعون للعبور نحو الآخرة، ففي لبنان يدفع اللبنانيون ليعيشوا الجحيم.

يقول " كولينز " أن الإنتحار أسوأ الجرائم، لأنه لا يمنح القاتل فرصة للندم. أما وفقاً " لجورج برايت " فإن بعض الحيوانات تنتحر لتنجو من الذبح.

الإنتحار ليس الحل، لكن الحياة في الجحيم على وقع الموسيقى الصاخبة ومحاولة الهرب من الواقع ليست هي الأخرى بالحل المناسب.

المطلوب النجاة من الذبح من خلال السعي لحياة أفضل... وإلا فهنيئا للجميع الندم.