المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رضا حمودة Headshot

هيكل متحدثاً باسم خامنئي مهدداً العرب

تم النشر: تم التحديث:

دائماً ما يتحفُنا "الأستاذ" الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل كما يسميه تلاميذه، بالمفاجآت الصادمة رغم تقدمه في العمر ، إلا أنه يأبى إلاّ أن يختفي من المشهد السياسي العربي عبر آرائه اللوذعية، وتحليلاته المثيرة للجدل، وحرصه الدائم على ألاّ يغيب عن المسرح، حتى وإن نضحت كلماته بالتلفيق الفكري، وتزييف الحقائق، وخلط الأوراق، والادعاء الدائم باحتكار الحقيقة المطلقة.

في حديثه لصحيفة "السفير" اللبنانية في 21 من يوليه/ تموز الجاري، أثبت "الأستاذ" أنه رجل كل العصور، ومندوب كل الأنظمة المتعاقبة خلال السبعة عقود الماضية، حيث إن تحليلات الرجل خلال حواره مع الصحيفة البيروتية، تشي بحقيقة صادمة وخطيرة، على الأقل بالنسبة لي كقراءة متأنية لمجمل الحوار، أنه يتحدث من موقع المتحدث الرسمي باسم مرشد الثورة الإيرانية "آية الله علي خامنئي"، أو بصفته مستشاراً سياسياً لدولة ولاية الفقيه الشيعية.

حاول "هيكل" جاهداً تبييض وجه إيران القبيح بتدخلاتها المفضوحة في المنطقة (في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج أيضاً)، وترويج الدولة الفارسية على أنها سيدة العالم العربي والإسلامي القادم منفردة، ومنسقة سياسات المنطقة، وتهيئة الجميع في العالم العربي على التأقلم مع هذا الوضع الجديد، ولاسيما بعد الاتفاق النووي الإيراني التاريخي مع الغرب مؤخراً.

ولا ينبغي أن يفوتنا هنا التذكير بالإشارة إلى حقيقة هامة، وهي أن "هيكل" أحد أهم المقربين لنظام عبد الفتاح السيسي العسكري، فهو عرّاب 3يوليه، وكاتب بيان الانقلاب على أول رئيس شرعي مصري منتخب، حتى يتثنّى لنا قراءة حواره مع صحيفة "السفير"، ونفهم تصريحاته على محملها الطبيعي، ذلك أنني أزعم أن الرجل، ما كان له أن يُدلي بتلك التصريحات الجريئة دون علم أو تنسيق مع السلطة، أو على الأقل الحصول على ضوء أخضر لإيصال عدة رسائل بعينها لأطراف بعينها في مقدمتها المملكلة العربية السعودية بقيادتها الجديدة بعد تولي الملك سلمان سدة الحكم نهاية يناير/ كانون الثاني من العام الحالي، وهذه هي رسائل هيكل للعرب:

التهديد بتقسيم السعودية
أخطر تلك الرسائل التي أراد هيكل ايصالها، الحديث عن شكوكه في تخطي السعودية أزمتها، غامزاً في حق الملك سلمان شخصياً مدعياً أنه ليس حاضراً بما يكفي، فضلاً عن أن النظام السعودي غير قابل للبقاء، على حد قوله، في إشارة واضحة، ودلالة خطيرة لا تخطئها العين إلى التهديد، بل والتمهيد لتقسيم الدولة السعودية الموحدة، مبشراً بانهيارها كنتيجة لتدخلاتها في المنطقة، ولاسيما اليمن (لاحظ وكأنك تستمع إلى وزير خارجية إيران)، أو الناطق الرسمي باسم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية.

هيكل يحتقر دول الخليج العربي قاطبة
احتقر "هيكل " في حواره دول الخليج قاطبة، وحطّ من شأنها وسفّه دورها، حيث قال نصاً "السعودية ودول الخليج تتصرف بطريقة متخلفة"، وتابع: "مصر وإيران وتركيا أوطان حقيقية، والباقي كله يشكل فسيفساء بين أوطان حقيقية"، في إشارة واضحة إلى هامشية تلك الدول وتقزيمها أمام الدول الثلاث الكبرى، وهذا تطور خطير في حقيقة خلاف النظام المصري الذي يمثله هيكل مع السعودية تحديداً منذ الثالث من يوليه 2013، ولاسيما بعد توقف الدعم المالي تقريباً، فضلاً عن تدخل السعودية العسكري في اليمن كبحاً لجماح النزعات التوسعية الإيرانية، وأضاف الرجل مؤكداً على التحقير من شأن دول الخليج، وتقزيم دورها أمام إيران والغرب، قائلاً أن السعودية ودول الخليج أضعف من أن تشاغب على الاتفاق النووي.

مصر تسعى للتقارب مع إيران
لم ينس هيكل في معرض امتداحه لإيران، وهجومه على السعودية والخليج العربي، أن يثبت حقيقة هامة تتعلق بالتوافق المصري الإيراني، وربما التنسيق في عدة ملفات في المنطقة، خاصة في العراق وسوريا، حيث كشف الرجل "إن مصر تسعى للتقارب مع إيران"، لكنه أشار إلى وجود "محاولات من أجل ثني السيسي عن التقارب مع طهران" دون أن يكشف عن تلك الجهات التي تضغط على السيسي لعدم الانفتاح على إيران.

التمهيد لمرحلة تقسيم سوريا والعراق
وكما اعتاد الصحافي العجوز على طريقته المفضلة بدسه السم داخل العسل، عبر تزييف الحقائق، وخلط الأوراق بما يخدم الجهة التي يعمل لصالحها، اعتبر هيكل أن مصير سوريا مرتبط بالعراق، أي أن ما يسري على العراق، لابد بالضرورة أن ينسحب ويسري على سوريا، حيث قال "إذا تحدثنا عن تقسيم سوريا فذلك يعني أننا نتحدث عن تقسيم العراق" ، كما يعتبر أن "للأكراد الحق في أن تكون لهم دولة تمثل قوميتهم بلغتها".

بقراءة سريعة لحوار هيكل مع الصحيفة اللبنانية، نلحظ أن القاسم المشترك لمجمل الحوار، هو امتداح إيران وأذرعها في المنطقة (حزب الله نموذجاً)، ومحاولة شرعنة تحركاتها، ودافع بحماس شديد عن مشروعها التوسعي الطائفي في الفراغ العربي الواسع، عبر تعظيم دورها في المنطقة، في إشارة إلى تسويقها على أنها أصبحت بمثابة حليف وشريك رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل في إدارة منطقة الشرق الأوسط، واقتسام مواردها ومناطق نفوذها، ولاسيما بعد الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، بعد أن كانت خصماً لدوداً لسنوات طويلة.

وللمفارقة العجيبة أن الدولتين المتنافستين الآن على قيادة المنطقة، سواء إسرائيل أو إيران، تنحدران من خلفية قائمة على التوسع والتمدد على أساس ديني، فإسرائيل تعتبر نفسها وطناً قومياً لكل يهود العالم، أما إيران فتعتبر نفسها دولة شيعية دينية تمثل شيعة العالم، وما بينهما يقع العالم العربي بين المطرقة والسندان.

حيث إن الخاسر الأكبر هم العرب خاصة دول الخليج العربي، ذلك أنه بعد الاتفاق النووي التاريخي، استطاعت إيران أن تخرج متعادلة تقريباً مع الغرب في اقتسام النفوذ والمصالح المشتركة في المنطقة، بما لا يمس كبرياءها ومكانتها، وإجبار الغرب في الوقت ذاته على التسليم بدورها، عبر التقاء مصالحه الملحة في التحالف مع إيران ضد ما يُسمى بالإرهاب (الإسلامي السنّي) بطبيعة الحال، لينتصر المشروع الإيراني على حساب الوجود العربي، تصديقاً لمقولة داهية الدبلوماسية الأمريكية "هنري كيسينجر" عندما سُئل عن إيران، فقال "إيران ليست دولة.. إيران مشروع".