المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

روان أبونبعة Headshot

هل سأختار زوجي؟

تم النشر: تم التحديث:

جلست لاحتساء كوب دافئ من القهوة مع إحدى الصديقات اللواتي لم أقابلهن منذ زمن، مرّ على معرفتي بها سنوات، كانت آخرها سنوات الدراسة، ثم تفرقت بنا دروب الحياة إلى أن تقاطعنا ذات صباح ربيعي تبعث فيه الشمس دفئها، حتى ولو قاطعتها رياح الربيع الباردة.

كانت مصادفةً دافئةً تبعث في النفس أشواقها، وتحرك في الأعماق طفلها الصغير المختبئ خلف قناع العمر الرقمي، الذي لم نصدق أننا سجلناه بهذه السرعة، تحرك الطفل بداخلنا وبدا لنا الماضي قريباً مع كل الذكريات التي قررنا أن نفتح عنها سجنها؛ كي تحفل النفس ببعض المرح.

كانت مريم صديقة مرحة حينها تحمل في قلبها أسراباً من الأمنيات والطموحات العاتية، وتأبى إلا أن تصيب بسهامها أبعد الحدود، ولا أنكر أنها كانت متفوقة جداً حينها تحدد الهدف ثم ترمي أبعد ما يمكن، فتصطاد أهدافها في ذكاءٍ وثقة تجعلها محط إعجاب واقتداء الكثيرين، أما هي فكانت بسيطة النفس متواضعة الروح عالية الهمة والطموح، ترفع رأسها لتصيب النجوم وتباهي القمر، كانت عيناها تلمعان وكأنهما قمران في حزم وثقة؛ حين التقينا لم تكن ذاتها مريم التي أعرف، كانت امرأةً سراباً تبدو عيناها كمصباحٍ أُطفِئَ لتوّه، ويبدو وجهها ذابلاً كزهرة قطفت ثم أغلق عليها في صندوقٍ لا يصله ماءٌ ولا هواء، وكان صوتها خافتاً بالكاد تسمع كلماته وتكاد تميز من حديثها أنيناً يلحق بكل جملة تقولها ثم تتنفس بعمق، وكأن هواء الكون لا يكفيها نفساً واحداً.

جلسنا دقائق من الصمت ننتظر قهوتنا الدافئة، فكان مجلسنا بارداً لصمتنا، ثم قررت أن أجتاز هذا الحاجز المعتم من برودة اللقاء وأسألها عن أحوالها، بدا لي أن هذا السؤال يزيد الجو برودة وغموضاً أكثر رغم بساطته، ولكن يبدو أن الإجابة يلزمها شجاعة وقوة، لم أتخيل أن مريم يمكن أن تفتقد لمثلهما، وهي التي عُرفت بالشخصية الواثقة الشجاعة التي اعتدنا أن نغبطها عليها، ثم يبدو أنها استجمعت بعضاً من شجاعتها وتمالكت ما أمكن من نفسها، وأجابت:

الحمد لله بخير، ولكن الحياة تغيرنا.. تيقنت حينها أن مريم دخلت حياةً أخرى ولم تعد بقوة مريم التي أعرف، وأن كلمة (تغيرنا) كفيلة بأن تخبرك ببساطةٍ أن فتاةً مثلها قد خسرت كل أحلامها، ولبست ثوباً آخر من أثواب الحياة لا يلائم مقاس طموحاتها، ثم استأنفت لوحدها: أنت تعلمين أنك كنت أعز صديقاتي في المدرسة، وما كنت لأحدث أحداً عن حياتي سواك، ولكن أنا محبطةٌ جداً الآن، فحياتي بأكملها تغيرت،

لقد تقدم لخطبتي أحد الشباب أثناء دراستي الجامعية ووافق أهلي، ولم أمانع، كان حينها شاباً طموحاً من أسرة جيدة، وقرر الزواج قبل أن أنهي دراستي، ولم يمانع أهلي لاتفاقنا المسبق على إكمال دراستي الجامعية برغم زواجي، ولكن بعد الزواج أصبحت حياتي جحيماً، فبعد إنجاب ابنتي الأولى أجبرني زوجي على التوقف عن دراستي لتربية ابنتنا، وبأنه في كل الأحوال لن يسمح لي بالعمل مستقبلاً لعدم ضرورة هذا، كان هذا الخبر قاتلاً بالنسبة لي، ولكن ولادتي تزامنت مع وفاة والدي، وكانت أمور عائلتي مشوشة جداً، فلم أعرف ماذا أفعل، ووافقت على التوقف عن الدراسة بنية إقناعه لاحقاً في ظروف أفضل، قاطعنا النادل بقهوة يتصاعد بخارها الدافئ فيعيد للروح بعضاً من دفئها، ارتشفت مريم بعضاً من قهوتها، تنفست عميقاً.

سألتها: وماذا حدث بعد ذلك هل وافق على إكمال تعليمك؟

تابعت بمرارة واضحة: لم أتوقف عن إقناعه بإكمال تعليمي، خصوصاً أنه لم يتبقَّ لي سوى سنة ونصف للحصول على شهادتي الجامعية، ولكنه كان رجلاً متسلطاً، وكان يضربني بقوة أمام أطفالي، ومع الوقت بدأت أفقد رغبتي في الإقناع فكل ما سأجنيه هو ضربي وإهانتي أمام أطفالي الذي أصبحوا ثلاثة، ولم يكن أمامي خيارات سوى الاستسلام شفقةً ورحمةً بأبنائي.

ذرفت بعضاً من الدموع ثم تابعت قولها: لا أعتبر زواجي ناجحاً فلا ألتقي أنا وزوجي على أي درب من دروب الحياة، لقد تغير هو كثيراً، لم يكن ذاته الشاب اللطيف الذي سمحت لنفسي باختياره شريكاً مدى الحياة، أنا لا أرى فيه سوى شريك الألم واليأس الذي أنا فيه.

لم أدرِ ما أقول، ولست على خبرة بما يقال في هذه الأحوال، الكثير منا تأخذه الحياة لدروب شائكة وعرة فتراه يقف في منتصف الرحلة لا يدري أي درب يسلك، ولا يعلم أي قرار يختار، ولكني أعلم أن الأقدار لها دربها، وأعلم أن عمر -رضي الله عنه- قال: "لو عرضت الأقدار على الإنسان لاختار القدر الذي اختاره الله له"، ولكني ما زلت عاجزة عن الإجابة، أعلم أن امرأة كمريم تحمل في قلبها ينبوعاً من الأحلام يصعب عليها أن توقف تدفقه، وأعلم أن امرأة برتبة أُم مثلها لن تسمح لنفسها أن تخسر وسام الأمومة، وأن زوجة مثلها في مجتمع محافظ لن تقبل لنفسها أن تكتب زوجةً فاشلة، ففي كل الظروف تلام الزوجة في أي انفصالٍ زوجي يحدث.

قاطعت مريم أفكاري قائلةً: هل كنت سأختار زوجي أم لو أنني اخترت غيره حينها لكانت الظروف أفضل؟

أجبتها بدون تفكير: أو لربما أسوأ!

تفحصت مريم كلماتي بعمق وأعلم أن امرأة بذكائها لا بد أن تتغلب على ضعفها ما أمكن، ثم اعتذرت مغادرةً المكان وودعتني قائلة: سأكون بخير لا تقلقي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.