المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. رشيد أوراز Headshot

هل يمكننا أن نتخلى عن الحق في الحرية؟

تم النشر: تم التحديث:

قال المفكر الليبرالي الأميركي المعاصر ديفيد باوز، في الفصل الثاني من كتابه المرجعي عن الفلسفة التحررية:

"لا توجد ولم توجد سوى فلسفتين سياسيتين فقط: "الحرية" و"السلطوية"، سواء أن يكون الناس أحراراً في العيش كما يشاءون، وأن يحترموا حق الآخرين في العيش كما يشاءون، أو أن يلجأ بعضهم لاستعمال القوة من أجل إجبار الآخرين على التصرف وفق طريقة لم يقع عليها اختيارهم".

لقد كان هذا الصراع ملازماً لتاريخ الإنسان منذ القدم، لكن منذ أن قال عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إن شرعية الدولة تتجلى أساساً في "احتكارها استعمال القوة"، فإن أنصار الحرية ينظرون إلى الدولة كسلطة معادية للحرية، وانحصر الصراع بالتالي بين من يرون في الدولة "الشر الأكبر"، كما ذهب إلى ذلك موراي روثبارد، الفيلسوف التحرري الأميركي المعروف، ومن يرون في الدولة "قدراً محتوما"؛ كي لا ينزلق المجتمع إلى الفوضى والعنف، فلولا تفشي العنف في المجتمعات الإنسانية لما ظهرت الدولة كتنظيم اجتماعي، كما قال الاقتصادي الفرنسي المعاصر باسكال سلان.

يجري هذا الصراع في بلداننا اليوم تحت مسميات مختلفة، ومنذ أن انهار الجهاز البيروقراطي الضخم الذي بناه مستبد تونس السابق زين العابدين بن علي في سنوات طوال، أصبح انتصار الدولة وقمع الحرية مسألة مستعصية، ورغم كل المحاولات غدا الرجوع إلى الوراء لحكم الاستبداد مسألة في غاية الصعوبة، وهو ما ينذر بأن العقد الاجتماعي القديم الذي كان يضمن نوعاً من التوازن بين الاستبداد السياسي والأمن الاجتماعي أصبح جزءاً من الماضي، وعلى شعوب منطقتنا أن تجد توافقات جديدة، في ضوء الصراع القديم/الجديد بين الحرية والسلطوية.

ساد اعتقاد خاطئ لفترة طويلة من الزمن مفاده أننا استثناء، وأن ثقافتنا المشرقية تؤمن بالمستبد الشرقي، وسواء كان هذا المستبد عادلاً أم جائراً فهو مستبد لا يأخذ برأي أي كان في مسائل الحكم، وغذّى هذا الاعتقاد كم من التحليلات ومن الوقائع التاريخية التي تقول إن الحرية مسألة خاصة بأقوام ومجتمعات معينة، هي في أغلبها المجتمعات التي شهدت انتشار الثقافة اليهودية - المسيحية، أو ما يسمى اختصاراً بالغرب.

لكن سبعينات القرن العشرين شهد العالم بعض التغييرات غير المتوقعة، انهارت ديكتاتوريات أوروبا الجنوبية (اليونان والبرتغال وإسبانيا)، وبدأت المرحلة التي نعتها عالم السياسة الأميركي المعروف صامويل هنتنغتون بـ"الموجة الديمقراطية الثالثة"، لقد امتدت هذه الموجة لتشمل عدداً من البلدان التي لم يتوقع أن تتحول أنظمتها الديكتاتورية أبداً إلى ديمقراطيات، مثل بعض بلدان أميركيا اللاتينية وأوروبا الشرقية وبعض البلدان الآسيوية، مهد أسطورة الديكتاتور الشرقي.

أحيت هذه الموجة الآمال القديمة بالتحول إلى نظام الحكم الديمقراطي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على ضوء محاولات أخرى في مناطق متعددة من العالم نجح بعضها فيما فشل الباقي، وقد تكون تركياً الحديثة أحد أنجح الأمثلة على تحول بلد شرقي مسلم إلى نظام برلماني ديمقراطي تعددي، كما ساهمت النتائج الاقتصادية الهائلة للنظام السياسي التركي المنفتح خلال العقد الأخير في فرض قوة ناعمة على بقية الأنظمة المتكلسة في الشرق الأوسط، التي ينظر شبابها إلى حكامهم العجزة وغير القادرين على التصرف حيال الأزمات الداخلية والخارجية بأية فاعلية تذكر بازدراء منقطع النظير، إن هؤلاء الحكام يمثلون في أعين الشباب رمزاً للعجز واللصوصية وسوء التذبير والقمع الدموي وضيق الأفق.

لم يكن لهذا الوضع أن يستمر طويلاً، فبعد خمسين سنة من استقلال أغلب هذه الدول، تلاشت الأيديولوجيات الوطنية والشعارات القومية الرنانة، وولدت أجيال جديدة غير قابلة للتخدير بالأمجاد التي لا تعني لها أي شيء، بل ولدت أجيال تحلم بالحرية أكثر من أي جيل آخر في السابق، حتى ولو لم تدّعِ ذلك في يوم من الأيام أجيال جديدة علمتها الثورة التكنولوجية كيف تكون براغماتية وعملية ودقيقة وفردانية، بينما هي تواجه في واقعها بشكل يومي دولة بإدارة متهالكة ومسؤولين شبه أميين ومثقفين لا يسايرون زمانهم وإعلام رسمي متخلف في محتواه وفي تقنياته.

انتهى هذا الوضع الاجتماعي بالانهيار، وبداية الفوضى، واستعصى الاستقرار، وما زاد الوضع تعقيداً أنه لا توجد نخب ذات مصداقية في الواقع تحسن التفاوض من أجل وضع أسس عقد اجتماعي جديد يأخذ بجدية مسألتي الحرية والديمقراطية، وخلال هذه المرحلة الشاقة، تدخلت أطراف محلية في محاولة يائسة لإرجاع عقارب الزمن إلى الوراء، مخافة أن تمتد إليها ألسنة النيران، لكن يبدو أن الحلول أمامها قد استنفدت، بعدما جربت تثبيت بعض الديكتاتوريات القديمة دون تغيير، وتغيير الرؤوس والحفاظ على نفس النظام السياسي، وحكم العسكر، وتغذية الحرب الأهلية، والحرب الدينية بين السنة والشيعة، إن هذه الحلول كلها لم تنفع في إنقاذ سفينة النظام القديم من الغرق.

ما العمل الآن إذن؟
إذا تفحصنا منطق التاريخ، ونظرنا إلى التحولات التي جرت وتجري من حولنا في كل مكان في هذا العالم المتداخل، فإن الطريق الذي يجب أن نسير فيه واضحة هي عالمه، إن وضع أسس أنظمة ديمقراطية تفصل السلطات وتحد من سلطات الحكام وتراعي الحريات الفردية هي الدواء الوحيد لمعالجة أمراض هذا الوضع المستجد، لكنه المتوقع، أما إذا اختارت بقايا الأنظمة معاكسة هذا الحق الأساسي للإنسان، الحق في الحرية وفي نظام ديمقراطي مدني، فإن ما ستقوم به في الواقع إنما سيكون محاولة لشراء الزمن بمزيد من الفوضى والعنف، وبما أن أنظمتهم فشلت في احتكار العنف، وخرج عن سيطرتها، فإن شرعية الحكم لن يتمكنوا أبداً من استرجاعها.

وبما أنهم لن يسترجعوا سلطويتهم، فإن تخلينا عن حقنا في الحرية سيكون اغتيالاً للآمال في التحرر وخيانة لمنطق التاريخ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.