المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. رشيد أوراز Headshot

ديمقراطية الطبقات الوسطى ضد الحكم العسكري

تم النشر: تم التحديث:

في ليلة السادس عشر من يوليو/تموز 2016 غامَر العسكريون بمحاولة القفز إلى كرسي السلطة في تركيا، وخلال ست ساعات انتهت العملية الانقلابية تحت ضغط الشارع الذي اكتسح بالمواطنين الذين رفضوا تدخلاً جديداً للجيش في تدبير المؤسسات السياسية، كما رُفض الانقلاب من طرف كل الأحزاب السياسية الكبرى، بدءاً بحزب الشعب الجمهوري اليساري العريق الذي أدان الانقلاب منذ الدقائق الأولى، وأيضاً الحزب القومي وحزب الشعوب الديمقراطي.

يفرض هذا الحدث على الباحثين في مجالَي الاقتصاد السياسي والعلوم السياسية عدة أسئلة، حول علاقة السلطة بالعسكر في البلدان النامية، ومنها الأسئلة الثلاثة التالية: (1) متى يطمح الجيش إلى السلطة في البلدان النامية؟ وجوابه: دائماً، نظراً لهشاشة المؤسسات السياسية في هذه البلدان. (2) متى تنجح هذه الانقلابات العسكرية؟ وجوابه: في أغلب الحالات. أما بخصوص السؤال (3) عن متى تفشل هذه الانقلابات؟ فالجواب هو: أحياناً، وذلك في ظل شروط معينة، وسيتطرق هذا المقال لأحد تلك الشروط على ضوء الحالة التركية الحالية.

حينما ننظر إلى تاريخ تركيا الحديثة، فإن الانقلابات العسكرية كانت جزءاً من تاريخ هذا البلد، بمعدل انقلاب عسكري كل عشر سنوات، وبالإضافة للمكانة الكبيرة التي يتمتع بها العسكريون في المؤسسات السياسية التركية، فإن تاريخ الديمقراطية في هذا البلد هو تاريخ صراع على السلطة بين العسكريين ومنافسيهم، أو بين العسكريين أنفسهم.

لا يشكل هذا استثناءً تركياً في القرن العشرين، إذ انتشرت ظاهرة الانقلابات العسكرية في البلدان التي تقع خارج دائرة الديمقراطيات الليبرالية الغربية وملحقاتها الأخرى، وكانت القارة الإفريقية وأميركا اللاتينية وأوربا الشرقية وبعض البلدان الآسيوية، وعدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مسرحاً كبيراً لحكم العسكريين والانقلاب على الديمقراطية، أو الانقلاب على الانتقال الديمقراطي، أو الانقلاب على الديكتاتورية في بعض الأحيان.

لكنْ حَدَث تغير جوهري في حكم الأنظمة العسكرية، بدءاً من سقوط ديكتاتوريات أوروبا الجنوبية (اليونان والبرتغال وإسبانيا)، التي دشنت ما سماه عالم السياسة الأميركي المعروف صامويل هنتنغتون بالموجة الديمقراطية الثالثة. كان لهذه الموجة تأثير كبير على مستوى العالم، أفضت لنهاية حقبة الديكتاتور الدموي أوغوستو بينوتشيه يوم 11 مارس/آذار 1990، الذي جاء للحكم عن طريق انقلاب عسكري مع بدايات الموجة الديمقراطية الثالثة، وأنهت قبله حقبة ديكتاتورية البرازيل العسكرية (عام 1985)، وتلاه فيما بعد إنهاء الحكم العسكري في عدد من الديكتاتوريات الثالثية خلال عقد تسعينات القرن العشرين الذي شهد ميلاد ديمقراطيات عديدة.

وعلى المستوى العالمي، لم ينجح إلا حكم عسكري واحد في تحويل بلده إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً، وهو نموذج كوريا الجنوبية؛ وذلك لاعتبارات ذاتية مرتبطة بهذا البلد، وبدعم ورهان الولايات المتحدة الأميركية عليه. لقد تمكن الجنرال بارك الذي وصل إلى حكم كوريا الجنوبية سنة 1961 عن طريق انقلاب عسكري من وضع أسس اقتصاد صناعي متين في هذا البلد، لكن الجنرال بارك نفسه انتهى مقتولاً سنة 1979 على يد مدير مخابراته في أجواء من القمع السياسي وانتهاك الحريات؛ إن المؤسسات السياسية الإقصائية تنتهي في غالب الأحيان بتدمير المؤسسات الاقتصادية الاحتوائية، حسب إفادات الاقتصاديين دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما المعروف "لماذا تأفل الأمم؟" (2012).

2016-08-01-1470012224-5703344-GDPTurkeyandothers.png

اعتماداً على معطيات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما هو مبيّن في الشكل أعلاه، فإننا نلاحظ أن كوريا الجنوبية التي تحولت إلى ديمقراطية تعددية سنة 1992، قد بلغ ناتجها الفردي السنوي ذلك العام 8140 دولاراً أميركياً، وذلك بعد 12 سنة من النمو الاقتصادي المستمر والمستدام.

أما تشيلي فقد حققت هذا المستوى من الناتج الداخلي الخام بعد 20 سنة من النمو الاقتصادي الذي عرف تعثراً بين سنتَي 1995 و2002، والسنوات العشرون تلك هي المرحلة التي استغرقها الانتقال الفعلي إلى الديمقراطية في هذا البلد، الذي بدأ فعلياً بانتخابات سنة 1990 التي خرج من خلالها الديكتاتور بينوتشيه من السلطة، وتم تمتين هذا الانتقال بانتخابات 1994 التي بدأت بترسيخ ديمقراطية صناديق الاقتراع وفتحت الباب أمام الإصلاح الاقتصادي الذي ساهم فيما بعد في خلق طبقة وسطى قالت كلمتها في دعم الإصلاح السياسي. ولما تم إيقاف الجنرال بينوتشيه في لندن سنة 1998 بسبب ملاحقته بتهم "الإبادة الجماعية والإرهاب والتعذيب" كان الدخل الفردي السنوي للمواطن التشيلي قد بلغ 5367 دولاراً أميركياً تحديداً.

وفي إسبانيا، التي حققت بدورها انتقالاً ديمقراطياً مرفقاً بتطور اقتصادي هائل بعد وفاة الديكتاتور فرانكو، وصل الدخل الفردي السنوي إلى 6500 دولار أميركي سنة 1986، أربع سنوات بعد حكم فيليبي غونزاليث الذي يعد الأب السياسي للانتقال الديمقراطي في هذا البلد الأوروبي (1982 - 1996).

التحقت تركيا بنادي القوى الصاعدة بشكل متأخر، لكنها سارت في نفس طريق الدول التي انتقلت من حكم العسكر إلى الديمقراطية التعددية، وإذا ألقينا نظرة على تطورها الاقتصادي ما بين عامَي 2002 و2016 التي عرفت الانقلاب العسكري الفاشل فإننا نلاحظ انتقال الدخل الفردي السنوي من 3570 دولاراً سنة 2002 إلى 9130 دولاراً سنة 2015. وفي سنة 2004 بلغ الدخل الفردي السنوي 5855 دولاراً أميركياً في تركيا، وهو ما يعادل ما بلغه هذا المؤشر في تشيلي عام 1998 لما تم إيقاف الديكتاتور بينوتشيه في لندن، أو في إسبانيا سنتين بعد مجيء فيليبي غونزاليث للحكم، أو في كوريا الجنوبية بعد الإطاحة بحكم العسكر وثلاث سنوات قبل إقرار التعددية السياسية والانتقال إلى الديمقراطية بشكل نهائي.

وفي مصر التي تعد مثالاً لنجاح العسكر في السطو على السلطة في العقد الأخير في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ إذ تمكن العسكريون من الوصول إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري بقيادة قائد الأركان سنة 2013، فإن الناتج الفردي السنوي في هذا البلد بلغ 3264 دولاراً في العام الذي سيطر فيه العسكريون على السلطة، وهو ما يعادل نظيره في كوريا الجنوبية سنة 1987 وفي إسبانيا سنة 1976 وفي تركيا سنة 1997 تاريخ آخر انقلاب عسكري نجح في إيصال العسكريين للسلطة في هذا البلد.

لا يمكننا أن ندَّعي أن مستوى الدخل الفردي السنوي لمواطني بلد ما يعد مؤشراً على تقدم الديمقراطية في ذلك البلد، لكننا لا يمكن في الآن ذاته أن نتجاهل أن مستوى المعيشة ومستوى النمو الاقتصادي في أي بلد لا يمارس أي تأثير على اتجاه أي بلد نحو مزيد من التعددية والديمقراطية ودعم الحريات السياسية؛ بإمكاننا أن ننعت التطلعات الديمقراطية للطبقات الوسطى التي تتشكل على هامش الطفرات الاقتصادية التي تشهدها الدول السائرة في طريق النمو بـ"ديمقراطية الطبقات الوسطى"، يتعلق الأمر برغبة عامة في الانعتاق من أنظمة الحكم التقليدية، والبِنى الريعية وحكم العسكر في الحالات التي يسيطر فيها الجيش على مقاليد الحكم في بلد معين.

يشكل تطور الدخل الفردي السنوي مؤشراً على تطور الطبقة الوسطى في أي بلد، وفي الحالة التركية فهو مفسّر حقيقي للرفض الذي سجلته كل الأحزاب السياسية وطبقة المثقفين ورجال الإعلام والمواطنون العاديون للانقلاب العسكري في تركيا، ويؤكد هذا المؤشر في الآن ذاته أن الانقلابات العسكرية لا يمكن أن تنجح إلا في البلدان ذات الدخل الفردي المنخفض (في أغلب الحالات أقل من 5000 دولار أميركي) الذي يعد مؤشراً على هشاشة الطبقة الوسطى التي تشكل في العادة وسيلة الضغط الأساسية على النظام السياسي من أجل مزيد من الديمقراطية والحريات السياسية.

من خلال قراءة سريعة لهذه النماذج من الشرق ومن الغرب، يمكننا أن نتوصل إلى فكرة جوهرية: يؤدي ارتفاع مستوى عيش بلد معين إلى الانتقال إلى الديمقراطية (ما يؤيد فرضية من يؤكدون أسبقية التقدم الاقتصادي على التقدم السياسي) وفي الآن ذاته يحافظ التقدم الاقتصادي على الديمقراطية والتعددية السياسية ويشكل كابحاً لا يسمح بالرجوع إلى الوراء، وهو ما رأيناه في الواقعة التركية الجديدة، وهي سابقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديداً؛ إذ لم يسبق أن فشلت القوى الخارجية والداخلية المعادية للديمقراطية في جر بلد ما إلى الحكم الشمولي، بل كان النجاح حليفهم دائماً في هذه المهمة المدمرة لديمقراطية المؤسسات السياسية والنسيج الاجتماعي، وبالتالي التقدم الاقتصادي أيضاً كنتيجة حتمية لذلك.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.