المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. رشيد أوراز Headshot

ماذا لو تجرأ غير الأوربي على التفكير؟

تم النشر: تم التحديث:

في أحدث إصدراته "هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟" (دار المتوسط، 2016) يقدم المفكر الإيراني "حميد دباشي"، المقيم في أميركا، والأستاذ بجامعة كولومبيا، وصديق المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، قراءة أخرى للربيع العربي وللثورات في منطقتنا، ويقوم بمرافعة فكرية عن حق غير الأوروبي في الوجود وفي التفكير. هذا الكتاب الذي يعد جزءاً من سلسلة من الإصدارات التي واكب بها دباشي قضايا العالم الإسلامي والعالم النامي، خَصص جزءاً كبيراً منه لمواكبة الثورات العربية منذ انهيار نظام "بن علي" في تونس وإلى غاية الانحسارت التي شهدتها هذه الثورات في سوريا واليمن ومصر.

في نظر دباشي تشكل الثورات العربية استمراراً للحركة الخضراء في إيران ولمقاومة الاحتلال في فلسطين ولكل الحركات المعادية للاستعمار الخارجي وللاستبداد الداخلي التي شهدتها مناطق عدة في العالم الإسلامي، بل في العالم غير الغربي كله.

إن هذه الثورات تتوفر على نفس الأسباب الجذرية في نظر دباشي؛ إننا أمام تشكل جديد من الوعي (ص141)، بل إننا نشهد تحولاً معرفيًّا في ثقافتنا السياسية الواردة (ص122). إننا نعيش مرحلة "ما بعد الأيديولوجيا" بتعبير المصري "هاني شكر الله"، و"ما بعد الاسلاموية" بعتبير "آصف بيات" و"ما بعد الاستعمار" بتعبير "حميد دباشي".

إن ما يشهده العالم الإسلامي تحول جذري في منظور دباشي، تحول يصطدم بمصالح الاستعماريين القدامى/الجدد. وبخصوص العالم العربي على الأقل قد يكون دباشي تنبؤيًّا، حيث كتب منذ سنة 2009 يقول:

"الشباب العربي والمسلم حول العالم ليسوا، في مأمن، من مطالب الشباب الإيرانيين التي تكلفهم الكثير، الفاتحين صدورهم العارية، بشجاعة، في مواجهة رصاص وهروات الطغيان. إنه الجيل ما بعد الأيديولوجي"(ص112).

إنه الرهان القديم الجديد على جيل الشباب، الذي بإمكانه وحده كسر التعاقد الاجتماعي الذي يسميه خبراء البنك الدولي "التنمية من أجل الاستقرار" والذي بإمكاننا ترجمته حرفيًّا وواقعيًّا إلى "الخبز مقابل القمع".

إن دباشي لم يخطئ في شيئين اثنين؛ رهانه على الشباب، وتنبؤه بأن العالم العربي لن يستمر في كثير في صمته. وهذا ينفي تهمة المؤامرة الأجنبية التي حاولت الأنظمة الفاشلة في إلصاقها بحراكات الشباب في البلدان العربية.

إن دباشي نفسه خصص أجزاء من كتابه هذا لمواجهة هذه الأطروحة التي تعتقد أن كل مطالب التغيير تكون مدفوعة بأجندات خارجية. فيما احتفى في المقابل بالمثقفين الذين ساندوا هذه الحركات الثورية ورأوا فيها صوتاً داخليًّا يعبر عن التطلعات الديمقراطية للشعوب الإسلامية.

إن ما شهده العالم العربي مجرد انتفاضات وفوضى وليست ثورات، لأن المعايير والتصورات التي توجد في أذهان المثقفين عن الثورات، والتي رسختها الثورة الفرنسية خصوصاً لم تتحق في حالة الربيع العربي.

إن ما شهده العالم العربي لا يقف من ورائه مفكرون ومثقفون، وبالتالي فهو أبعد من أن نقيمه بثورات حقيقية أو ثورات تأتي بالحرية والديمقراطية. لقد وُوجِه الربيع العربي كثيراً بهذا الاعتراض.

وبالإضافة لكونه خاطئاً جزئيًّا، لأن عدداً مهمًّا من المثقفين العرب، وطيلة العقود الماضية كتبوا وواجهوا بنى الاستبداد، فإن صوت المثقف العربي كان حاضراً وإنْ جزئيًّا في غمرة الثورات.

لكن دباشي أثار انتباهنا إلى مسألة أساسية أخرى؛ ليس المثقفون من يولّد الثورات، بل الثورات هي التي تولّد المثقفين. يقول دباشي:

"يولِّد الربيع العربي مفكريه مثل كل الانتقاءات الثورية الأخرى. لم يولّد ماركس الثورات عام 1848: بل الثورات هي من ولَّدته. وبالمثل، خلقت الثورة الأميركية توماس باين، وخلقت الثورة الروسية لينين، وهلم جرا". (ص 317)

ينظر دباشي إلى الثورات العربية من منظور شمولي، ويضع هذه المجتمعات إلى جنب كل المجتمعات المملوءة بمن يسميهم بـ"المعذبين في الأرض" التي استعارها من فرانتز فانون، تلك "الملايين من البشر الذين يجوبون العالم بحثاً عن الضروريات الأساسية للحياة والحرية، أو خائفين من الاضطهاد" (ص344).

وفي هذا يعول كثيراً على إرادة الشباب، ولكن يعول أيضاً على من يسميهم المثقفين التقدميين العرب والمسلمين والجنوب آسيويين، والأفارقة والأميركيين اللاتينيين..
إن هؤلاء المثقفين بإمكانهم إنقاذنا مما يسميه دباشي الوقاحة، "التي تظن نفسها مركز الكون والضمان الذاتي الذي يعطي للفيلسوف تلك المهارة والسلطة الخاصة في التفكير؛ من حيث تبني السردية الكبرى المطلقة" (ص 50).

كتاب دباشي يُعد مرافعة ضد هذا التفكير المركزي، ومرافعة من أجل حق غير الأوروبي في التفكير، وحق الشعوب غير الأوروبية في تقرير مصيرها بعيداً عن علاقات السلطة التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية.

ماذا لو تجرأ غير الأوروبي على التفكير؟ هل يثور؟ إن الأحداث التي تجري في منطقتنا منذ خمس سنوات تذهب إلى تأكيد هذا الجواب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.