المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راشد الجنيبي Headshot

نحن قوم لا نملك إلا النكتة!

تم النشر: تم التحديث:

"حين يبدأ الشّعب بصناعة وإنتاج النّكتة، ‏فاعلم أنه بدأ يشعر بالجوع والفقر".
اختلفت المصادر عن قائلها بين سورين كيركغور وكير كيغارت، لكن قطعاً من قالها شخصٌ وصل له نصيبٌ كافٍ من النكت.

المآسي أحياناً والفشل أحياناً أخرى، تكون السبيل والمتنفس لإطلاق شَيْءٍ من الضحكات الساخرة المبطّنة بالإحباط، وكل حادثة سلبية اجتماعية أو إدارية تكون نجمة الموسم أو بالأحرى نجمة الأسبوع؛ لأن لكلِّ حدَثٍ طرفة، وفي كلِّ يومٍ حدث، تخطف الأضواء لوهلة ومصيرها النسيان، الفشل الحكومي أو الإداري أو الاقتصادي في أي مؤسسة قد يكون له وضعه وتحليلاته، وربما له مخرج واقعي لسببه أو لوصفه بالفشل؛

بل قد يكون لخبراء الاقتصاد والسياسة والإدارة آراء دقيقة وتحليلاتٌ أدق لتفسير كل المسائل بيُسِر ووضوح، وقد لا يستدعي الأمر لصناعةِ نكتةٍ جديدة، لكن علّها التراكمات من الأحداث الاجتماعية، خصوصاً في الآونة الأخيرة التي صنعت أصداء بين أرجاء المجتمع، خلقت تقبلاً لخلقِ نكاتٍ لكلِّ حدث؛ بل هروباً من أي تراجيديا في الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأُسَري،

وجد مهزولو السخرية في الشارع أو روح الإحباط والسخرية والتسليم للواقع التي حلت علينا جميعاً، أن في فساد الإدارات، أو دعنا نسميها تعثر المشاريع قريبة المدى وغيرها، طَبَقاً شهياً ودسماً للنُّكت وخفة الظل والهروب من واقع "القوي أعلى من الضعيف"، فنحنُ لا نملِكُ إلا النكتة!

النكتة إذاً هي حولُ مَن لا حولَ له ولا قوة، وهي المخرج لكلِّ عجزٍ يُقزِّم رجاءنا، والهروب من أي بؤسٍ يلاحقنا، وهي السبيل بعد التقييد والكتم، وهي الضحك على تعاسة الواقع دون تغييره، هي ضحكةٌ، هي صرخةٌ، هِيَ لعنة، فنحنُ حقاً في كثير من الأحيان لا نملكُ إلا النكتة، مأساة عمران وقبله غرق الطفل الكردي ونَحْنُ مكتفون بالكاريكاتير، هي في الواقع وسيلة التعبير الأكثر انتشاراً، والأعجب والأجمل من ذلك،

أن فن النكتة يخفي مصدره أو قائل النكتة ومعدّها، حقّاً هي متنفّس نقدي ساخر؛ بل حتى سعيد الحظ ومَن له نصيب من الاكتفاء و"صانع المصير" في المجتمع يلجأ للنكتة ضَحِكاً وقهقهةً، ويلجأ تارةً لِيُبقيَ العاجز على عجزه، ويجعل قِمّة فسحة العاجز (إن أحسنّا التعبير) ونشوته هي نكتة، فقط نكتة غيرِ معروف صاحبها ولا تحرك شيئاً من الواقع، يضحكُ هو بها و(العاجز) يضحكُ أيضاً لكن بسخريةٍ وإحباط، وينشغل بذلك عن المصير.

المبالغة تكون عندما نتعطش للنكتة، ونصبح مهووسين بها حد الجنون، ونسيء فهم فن النكتة، وتصبح من متنفس إلى فرصة لجعل المجانينَ مشاهير، ففي فن النكتة كانت الرسالة سامية بوعي أو تنم عن تعبير بالفطرة عن الواقع، وحتى لو كانت ساخرة لكنها توحي بِشَيْءٍ من الوعي، فتشويه النكتة وتحويلها لمنصة لشهرةِ من لا مهنة له قد تكون حركة مضادة مِمن كان ضحية النكتة لإتلاف النكتة نفسها،

وإبعادها عن طرح أي رسالة مبطّنة، بلهجة مائعة تتغنج بالدلع "الذي يتبرأ منها" لتفعل شيئاً في قمة التفاهة؛ لتلفت الأنظار وتسترزق بذلك، فتبدأ بتزكية نفسها وتصبح سفيرة للمجتمع الذي استفزته، أعظم فرق بينها وبين أصحاب النكات الساخرة وحتى إن اتسمت بالإحباط، هو الوعي والتنوير المنشود به من النكتة، الذي تفتقره هي، الإشكالية تحدث عندما يكون "صانع المصير" المقصود من النكات، فيلجأ لدُمى كأمثال "المتغنّجة" لإشغال الرأي العام أو رأي المجتمع، إن كان التعبير أدق،

وتحييزه عن السخرية من الواقع إلى تفاهة شخصٍ بضاعتهُ الفراغ، يكفيك التّبصُّر والتأمل في نوافذ التواصل الاجتماعي لترى أن هناك كثراً من هذه الأمثلة، خطفوا الكوميديا والفن والنكتة وأصبحوا أبواقاً للفراغ، شاغلين الناس عن أي بصيص من الوعي، لا.. لا تتلفوا النكتة!

"نَحْنُ لا نملكُ إلا النكتة"، نَحْنُ؟! للقارِئ السائل الباحث عن "نَحْنُ"، هنا الـ"نحنُ" أقرَبُ إلى التعبير المجازي لكل من كان حظّهُ تعيساً ويومه أتعس، فيلجأ للنكتةِ التي لا يملك سواها، والـ"نَحْنُ" أيضاً تمثل المظلوم والمقهور والمغلوبِ على أمره فجرّه مصيره للنكتة، و"نحنُ" أيضاً للمتقاعس المتكاسل العاجز عن الانطلاق، واتخذ مرارةً في الواقع حجّةً لكسله، "نحنُ" لكل من لا يملك سوى النكتة.

لا تنسَ أن تُقَهقِه وتتنفس ضحكاتك إذا صادفتكَ نكتة؛ علّها تحسن مزاجك، وتطبع بسمةً على واقعك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.