المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راشد الجنيبي Headshot

تعلَّم كيف تُلفت الأنظار.. لا تكن مألوفاً

تم النشر: تم التحديث:

الفرص أنواع، ولأساليب اقتناصها أنواع، ولمبتغاها وأهدافها كذلك أنواع، لكن من مفهوم الدهاء والقوى والنفوذ فإنك إذا حصلت على فرصة لتخليد ذكراك فاستغلها بكل جوارحك، ووظّف لفت الأنظار للتسويق لنفسك ثم لخلق فُرَصِة ثُمَّ لصناعة مجدك.

من الحكمة في كل ميدان يخوضه المغامر أن يقيس كل الظروف، ويعرض كل الأوراق على الطاولة، ثم بدهاءٍ يبدأ اللعِب، لكن فرصة "لفت الأنظار" كيف تكون؟ وكيفَ تُستغل؟


"لفت الأنظار" تختصر لك الطريق الطويل لإيصال رسالتك وللتأثير على من حولك، لكن فقط إذا استخدمتها بشكل عبقري، يقول روبرت جرين، أحد فطاحل الدهاء في كتابه القوى والنفوذ "Power": إن كل شَيْءٍ يُحكمُ بالمظهر، وأي شيء حسب زعمه مكنونٌ في خفاياك فهو لا يساوي شيئاً، داعماً رأيه أن ذلك سيدفع النسيان لدفنك، وعليك أن تبرز بين الجموع وتكون كالمغناطيس لتجذب من حولك، بل كن ساطعاً ملوناً لافتاً جاذباً للانتباه، صحيح أن "الكاريزما" ليست من موجبات القيادة، لكن كثيراً ما يتّسم المؤثرون في المجتمعِ بها سواء "السيئون أو الجيدون".

كيف تمسك بزمام القوى أو "Power"، كتابٌ فيه الشيء الكثير من الخبث ودناءة النفس، ويخلق في نَفَسِ قارِئهِ روح التبلّد مع كم كبير من الواقعيّة، لكنه في وجهة نظر الكاتب هو أقرب للواقع، خص فيه أساليب الخبث والخداع والتحايل تحت مظلة القوة والنفوذ، وممنهجاً كل ذلك في 48 قانوناً، الشاهدُ في الأمر أن القانون السادس هو "اكسب لفت الأنظار بكل ثمن".

العجيب في الأمر في القسم الأول من القانون أنه يجب أن تربط اسمك بِشَيْءٍ فريدٍ مميز، بل أَحِط اسمك بالإثارة أو حتى الفضيحة! قاصداً أن تلفت الأنظار لنفسك بخلق صورةٍ لا تُنسى حتى لو مثيرة للجدل، اخلق فضيحة، وكُن أكبر من الحياة، وأبداً لا تميّز بين أنواع الاهتمام، فالشهرة السيئة أيضاً تجلب لك القوة والنفوذ، فالتشهير بك ومهاجمتك خَيْرٌ من تجاهلك، قصة رجل الاستعراضات الأول في أميركا في القرن التاسع عشر "ب.ت. بارنوم" خيرُ مثال، قصته مع المقلب وتهمة القتل وجمهور السرك، قصّةٌ هي الأخرى عميقة، والشاهد في الأمر أن تربط اسمك أو سمعتك بصفة خاصة كلما ذكرك الناس ترتسم هذه الصفة أو الصورة غير المألوفة في مخيلتهم، فلتتفكّر قليلاً بين السطور بمن اشتهروا في الآونةِ الأخيرة، خصوصاً في منافذ التواصل الاجتماعي!

أما القسم الثاني فهو "اخلق جواً من الغموض"، كل شَيْءٍ فيه يبدو مبتذلاً ومألوفاً بشكل متزايد في هذا العالم، بيد أنك لو ظهرت بأمر غامض تكون لافتاً للانتباه، وينتج عن ذلك مراقبة الجميع لك، فاستخدم الغموض لتضلل ولتغوي وحتى لترعب.


في فلسفة الغموض تُذكَر قصة الراقصة الشرقية الشابة في باريس مطلع سنة 1905، حيث بدأت الشائعات تلاحقها واصفةً أنها ذات براقعَ ملتفّةٌ عليها وتتساقط عنها تدريجياً أثناء الرقص، حتى قالت عنها الصحافة المحلية: "امرأةٌ من الشرق الأقصى إلى أوروبا محمّلةٌ بالعطور والجواهر؛ لتُدخل شيئاً من غنى الشرق وألوانه وحياته إلى المجتمع المدن الأوروبية"، ومن هذه العبارة نرى الغموض بوضوح، وأنه سبب التفاف الناس عليها، حتى عرفوا أنها "ماتا هاري"، وماتا اتسمت بجاذبيتها وسحرها وجمالها التي تنوّم المرء مغناطيسياً، ودرءاً للإطالة في قصتها أكتفي بذكر أنها تعاظمَ حجمها وذاع سيطها باستخدامها هذا القانون ودهائها ومكرها إلى أن وصلت لمرحلة الرقصات المقدسّة في برلين وفيينا وميلانو، كما وصفها الباحثون.

أما في زمننا الحالي "شخصياً" أستطردُ لذكر المغنية المشهورة التي استخدمت سر الغموض أيضاً وهي Sia Furler؛ حيث غطت هي الأخرى وجهها بشعرها الأبيض الفاتح، واكتفت بنشر أغانيها التي أوصلتها للنجوميّة، وحتى في مقابلاتها تدير ظهرها للمذيع والجمهور، وحين ظهورها كان الأمر العظيم في نفوس الجماهير، وهناك الكثير من جعل من الغموض زيادةً في رصيد شهرته، كـ"مجتهد" الذي ظل غامضاً في تويتر إلى اليوم، رغم كل أسرار وحكايات "قصور صنع القرار" التي أفشاها، و"سلفر" غير المعروف اسمه ولا شكله، لكن صوت حنجرته الفريد وتعليقاته وتسجيلاته اشتهرت في فيديوهاته القصيرة، وغيرها كثير من الأمثلة لمن استغل شيئاً من لفت الأنظار.

التكيّف على أي قُوى أو مرحلة متقدمة أو نجاح يصل لها المرء أهم من اكتسابها، يُذكر أنه عندما ترتفع يجب عليك التكيّف على القمة، وأن تكون تحت ضوابط مسيطر عليها، فعلى سبيل المثال بالغت ماتا هاري الحدود في تلفيقاتها إلى أن وصل بها الحال إلى أنها اتُّهمت بالتجسس؛ لأن جميع أكاذيبها تجعلها مشبوهة، فيُستخلصُ من هذا أن لا يدع الفرد جوَّ الغموض يتحول ببطء للاشتهار بالخديعة والخوف وعدم الأمان، واذا شعرت أنك تماديت أكثر من اللازم فتراجع.

في النهاية.. أياً كان مجالك وميدانك تختلف مهارة "لفت الأنظار" وكيفية استخدامها، فالظروف تختلف، فلفتُ الأنظار بِشَيْءٍ مختلفٍ مضحكٍ شاذ للقليل من التصفيق وشَيْءٍ من فتات الرزق، غير لفت الأنظار لخلق فرصٍ أوعد ولتلميع اسمك ولخلق تابعين حقيقيين لك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.