المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راشد الجنيبي Headshot

أستاذ "سفر" ابن السيّدة "هجرة"

تم النشر: تم التحديث:

تفرّج همّ واكتساب معيشةٍ ** علم وآداب وصحبة ماجدِ
(الشافعي)

حياة المرء التي أوجدها الخالق في كل نفس انسجاماً لمنظومة الكون لها عوالم كثيرة وجوانب عظيمة، وتستحق أن يعيشها المرء بكل تفاصيلها بشغفٍ وانطلاقةٍ واكتشافٍ يسبقهن الخشوع، كل ذلك قبل حياة الخلود، لكن الكون بكل جلاله لا تكفينا فيه حياة واحدة، نعم لا تكفينا للإلمام بكل صفحاته، أي رصيدنا الحياتي لن يكفل لنا العيش في كل العصور، ولن يُشبِعَ رغبة الإنسان الباحث المتأمّل للاكتشاف والتعايش مع كل القبائل والشعوب والظروف والبشر، لكن بصيصاً من نور يلوح من بعيد يجعَلُ من هذا الرصيد مليئاً غنياً مفعماً بالحياة مزدهراً بلآلئ التجارب، ذلك البصيص النيّر هو "السفر".

يسافر المرء لغاية، يسافر لحاجة، يسافر ساعياً لرزق، يسافرُ طالباً عِلماً، يسافر هارباً ظلماً، للحياة يسافر المرء، حتى في المنام يسافر في خلجات نفسه، قيل أن السفر يكشف معادن الشخوص، لكنه أيضاً يوزن مثقال معدن المسافر نفسه وجودته، ويكشف عن زوايا جديدةٍ فيه، ويكشف له زوايا أخرى جديدة يرى منها علمه ويقوّم به آراءه.

فشافعي العراق ليس كشافعي مصر، سافر فتى مغترباً طالباً لرزق أو لعلمٍ أو لانشراح صدر، لكنه يرجع لذويه فتى غير ذلك الذي عهدوه؛ لأنه انطلق في سفره وأخطأ قبل أن يصيب، وفرح وبكى وعانى ونجا وحاول وسعى وعاند ثم تفادى، كل ذلك صقله، أدّبه، وهذّبه، وغدا أقوى، أو إن صح التعبير أكثر درايةً بعوالم نفسه، "إذا كنت تحب ابنك دعه يسافر" مثل ياباني.

إن لم يتسع الوطن أو ضُيّق جبراً يكون السفر حينها إيضاحاً للظروف المحيطة، وفهماً للواقع، ثم للتنويرِ من بعيد، فمعنى من معاني السَّفَر "خارجاً عن النص" هو بياض النهار، لكن لو جمعنا هذا المعنى بمفهوم أسفارنا، فالسفرُ هو "بياضٌ" وإيضاحٌ لعوالم أنفسنا وخباياها وقِواها؛ لنكون أقدَرَ لخلقِ "نهارٍ" واعد لمستقبلنا، لهدفنا ومسعانا، وحتى لمجتمعنا.

سيد البشرية هاجر بلوعةِ فراقٍ، بتجاوزٍ عن ظلمٍ، وللتنفّسِ بعيداً عن اختناق الظلام والجهل؛ ليبني من بعيد أُمَّةً من نور، فالأهداف تبقى ثابتة، رغم الهجرة وقسوة الظروف، وعملنا ليس ملزماً أن يكون في الوطن، لكن ثماره لا بد أن تصل إليه.
نعم الهجرة غير السفر، لكن المعلِّم "سفر" ابن أمّه السيّدة "هجرة"، تقول صانعة الأفلام سماح صافي: "هاجر (النبي) ليعلّمنا أنّ ما بين أهدافنا وتحقيقها حاجزاً هو أنت، هاجَر ليعلمنا أن الحرية هي حرية الفكر والكلمة، وليعلمنا أن النهضة تبدأ بكلمة مع يدين مرفوعتَين إلى السماء".

ولنفسي مُجرِّباً السفر ومخاطباً إياه أقول: اليوم يتجدد لقائي بخليلي، وهو المجدِّد الروحاني العظيم، بل حكيم زمانه وبديعُه، أستاذي الواعظ، مُعلّمي، رفيقي، وشيخي الجليل الأستاذ "السَّفَر".

نجتمع في معبده (المطار) ونتدارس عن آيات كتابه المقدَّس (الدنيا)، ثم يجول بِنَا في حديقة معبده (السماء)، وبين جنانها (الغيوم)؛ كي نتنفس الصعداء، وبعدها يودّعنا بسلام حار وابتسامة لطيفة أمام باب الغُربة، ثم يقولها ضاحكاً: قد بدأنا اختباراً!

يمتحنني حينها باختبار الغربة، ويبتليني وأقراني الطلبة (المسافرين، المغتربين)؛ ليتأكد إن فقهنا تفاسير آياته وعلم طقوسه في معبده وكتابه.

هو قاسٍ جداً أستاذ "سفر" ويوبخنا حتى البكاء إن أخطأنا بالاختبار بكل قسوة وبلا رحمة، ويحلُّ علينا لعناته إذا غضب، عجيبٌ هو "سفر"، لا أدري كيف كان حليماً في معبده الذي يبهرنا فيه بعوالمه وبطقوسه ومحرابه وحلقاته الروحانية.

لكني أقول لـ"سفرٍ" هذا، أو عفواً أستاذي المحترم "سفر"، عصاك التي جلدتني بها وتوبيخك الساخط هذا علمني الكثير، الكثير الكثير يا أستاذي "سفر"، صقلتني، علمتني، هذّبتني وأدَّبتني؛ لتجعلني بعد ذلك معيداً متميّزاً في علمك وجامعتك إن أحببت، بل أنت خير معلّم حين مزجتَ بين حِلمك وحزمك، حلمك في معبدك وحزمك في اختبارك.

أستاذي "سَفَر" الآن أنا في معبدك وأمام ناظريك، لكن لا تقسُ عليَّ هذه المرة في اختبارك الآتي، فأنا الطالب الذي سيتفوق في الاختبار، وأنا التلميذ المتمرّد الذي سيغلب أستاذه يوماً، وأنا الآن أقولها: فلنبدأ اختباراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.