المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راشد الجنيبي Headshot

الخليج العربي.. القبلية والنظام العالمي

تم النشر: تم التحديث:

القَبَليَّة:

دول الخليج العربي الست عبارة عن ست عوائل قبلية حاكمة بنظام ملكي وراثي بحت، سادت بلدانها الست متملّكةً القطر الأعظم في شبه الجزيرة العربية، إما بعهد وميثاق بين القبائل، أو كسلالة ملكية قديمة أمّت الدولة منذ بضعة قرون، أو باتفاقيات بعد الانتداب البريطاني الكومنولثي أو حتى "بالسيف الأملَح"، اليوم منظومة الخليج العربي هي من تجمع هذه الدول معاً، تأسس المجلس في 1981 - 36 سنة، وهو قوي من عدة نواحٍ على الأقل وما زال، ولعل أهم مميزاته الاستقرار.

دول الخليج دول أبوية ريعية على بيئة قبلية صحراوية، والأبوية باختصار تعني هنا أن المال - الثروة يكون من الفوق إلى الأسفل برعاية أو مكرمات أو مرتبات للمشايخ أو أياً كان على شتى الأصعدة، والسمة في ذلك كونه دون ضرائب على الشعوب، وفي المقابل دون تمثيل سياسي، على سبيل المثال لا الحصر اتحاد الخليج: في الأصل مثل هذه الخطوة تحتاج لاستفتاء شعبي "التمثيل"، لكن لا توجد كيانات ديمقراطية على أرض الواقع، وإن كانَ لا بد فرجّح بعض الخبراء باتحاد وزارات النفط والدفاع والخارجية، في الواقع إن أعظم ما يهم الخليج هو الأمن الإقليمي، وعلى غراره يتم تجاهل أساسيات منظومة الدولة الحديثة مقابل استقرارها، والأمن الإقليمي باختصار هو استتباب الأمن على الأعضاء الستة على شكل أقاليم، وغالباً ما يتم ذلك بثروة النفط بشكلٍ رئيسي، وتنفق داخلياً بشراء الولاءات، وحكومياً بتعزيز المعسكر الأمني، وخارجياً بدعم كل ما يبعد أي تغيير سياسي في الجزيرة، كشراء الأمن على شكل صفقات من زعيم النظام العالمي اليوم "أميركا".


النظام العالمي:

في المقابل، هناك ركائز إيجابية تحسب لصالح الدول الست، الخليج كنظام مقارنة بالأنظمة الأخرى في الشرق الأوسط اليوم هو ثابت بسبب الملكية (monarchy)، الأعضاء الستة هم ممالك تقليدية غير ثورية، علاقتها بالدين عادية بشكلٍ عام، وأقرب إلى أسرة الحلفاء، وأميركا من القطب السوفييتي وتأسست قبل الحرب الباردة، (في الواقع عُمان بالتحديد رغم أنها شابتها حركات معارِضة أقرب للقطب الآخر في منتصف القرن الماضي، فإنها أحسنت تدارك الأمر، واتسمت سياستها باتزان إلى حد ما بين هذين القطبين)، بعكس الأنظمة الشرق أوسطية غير الخليجية الأخرى، فقد تشكل معظمها على أسس ثورية اشتراكية قومية ودينية وديمقراطية متعثرة، بل تجد منها من تعزّز وجوده واستقراره أثناء الحرب الباردة. من الضفة الأخرى، "إيران" كدولة ند لدول الخليج، باختصار أكبر خطر يواجه إيران هو معاداتها للنظام الدولي، وهذا ما يفرقها عن الخليج، وليس معها اليوم حليف استراتيجي غير روسيا، ولذلك ولنفس المعضلة تجد روسيا في آخر استحداثاتها وتصريحاتها مرتابة بشأن إيران، وما يزيد الأمر حدّة هو أن روسيا حققت أخيراً اتفاقيات نفط مع السعودية وليس إيران، كما قال الأمير محمد بن سلمان مؤخراً في لقائه مع بوتين: "اليوم العلاقة السعودية - الروسية في أفضل مراحلها"، وما يجعل الخليج هنا مختلفاً عن إيران أن الخليج يعزز توازنه مع النظام العالمي الوستفالي، "ولاؤها (السعودية) الرسمي للمفاهيم الوستفالية التي تتركز على الأمن والاعتراف الدولي بوصفها دولة سيادية شرعية" (كيسنجر، النظام العالمي، ص 140). قد احتاط الخليج العربي بشتى الطرق والسبل من التغيرات السياسية التي قد تنتج من الربيع العربي، والربيع هنا بدأ من موت محمد البوعزيزي في أواخر 2010 وإلى لحظة كتابة هذه السطور لم ينتهِ ومن الصعب جداً التحليل والحسم عن آثاره، وما إذا كانت جيدة بمنظور الحراك الشعبي أو أسهمت في التقدم نحو الأسس الديمقراطية؛ لأنه سيستمر إلى سنين أطول حسب المؤشرات، وبالعودة إلى نقطة أن الخليج تدارك جاهداً حصول أي آثار مباشرة لمكوّنه السياسي، فالربيع العربي قد يكون حسّن بشكل أو بآخر من مواد العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم في دول الخليج، وإن كان تقدّماً طفيفاً. الخلاصة: كأننا نرى العالم اليوم يتوجه إلى مسار سياسي مستحدث، وهو أن تكون هناك قوى وكيانات سياسية لكن دون أيديولوجيا، بتناظم مع ركب النظام العالمي، وقد تكون هذه الخطة والفكرة الأرجح لتطبيقها في الشرق الأوسط، أو مشروع الشرق الأوسط الجديد. وكخلاصة للملف الخليجي، لا يوجد هناك تمثيل سياسي للأفراد، لكن توفر الأنظمة سبل العيش لهم، بل وحتى ترف المعيشة، قد لا نكون في الخليج وصلنا للنضج المطلوب لأي تمثيل، حتى وإن كانت النظرية تقول: الديمقراطية تقوم وتسقط وتقوم وهكذا حتى تثبت، في المقابل ممكن أن يحكم حاكم في الخليج بصلاحيات تامة، أقرب إلى نظام مستبد بالقوة، لكن بكونه الحاكم العادل أو الممسك بمفاصل الدولة باتزان إلى حدٍّ ما، هنا وبهذه الفلسفة الأمر أو شأن البلد يَكُونُ ثابتاً بل قد يثمر بحياة حديثة منتجة فاعلة متقدمة مستقرة، لكن في المقابل قد لا تضمن الاستمرارية أن تكون الأوضاع مستقبلاً على نفس الرتم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.