المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

راشد الغائب Headshot

لننتظر من سيقول: "كِش ملك"!

تم النشر: تم التحديث:

أتوقع أن الروس لم ينسوا قصة الأميركي "بوبي فيشر"، الذي استطاع إزعاج الشيوعيين في زمان مجدهم.

أكتب عن ذلك بعد الإعلان في 6 أكتوبر الماضي عن فوز شاب روسي بلقب بطل كأس العالم للشطرنج، حيث تعتقد موسكو أنها سيدة اللعبة.

صعد نجم سليط اللسان "بوبي" سريعاً، في أعوام الحرب الباردة، بين الاتحاد السوفييتي وأميركا.
كبر "بوبي"، وكبرت انتصاراته. حتى وصل إلى "مباراة القرن"، التي جمعته مع بطل العالم بالشطرنج، السوفييتي "بوريس سباسكي".

تابع العالم في سنة 1972 هذه المباراة، المقامة في عاصمة جمهورية "آيسلندا"، واعتُبِرَت المواجهة رمزاً للندية بين القطبين، السوفييتي والأمريكي. وكأن من يفوز برقعة الشطرنج يُحقِّق انتصاراً رمزياً على خصمه.

وضع "بوبي" تكتيكاً استراتيجياً لمواجهة السوفييت. قال لأصدقائه: "شتِّتهم ليفكروا بمواجهتك، ولا تصمت فيباغتوك".

في جولات المباراة مارس "بوبي" هوايته أمام خصمه السوفييتي. وقف محتجاً من جودة الإضاءة، وإزعاج الجمهور بالقاعة، وصوت كاميرا التلفزيون. واستفز ذلك منافسه.

طلب المشاغب تغيير موقع المباراة إلى غرفة صغيرة منعزلة عن الجمهور، ولم يُجب لطلبه. فقرر الاحتجاب عن حضور بقية جولات المباراة، فاحتسبت نقاط إيجابية للخصم.

رفض البطل السوفييتي الفوز بهذه الطريقة، دون طعم للانتصار، فانقاد لشروط "بوبي"، بالمواجهة في غرفة المستودع المعزولة، وقَبِل بالمعركة، حتى ولو كانت في دورة مياه!

قال محامي "بوبي" لموكله: "الجيش الأميركي يخوض معاركه بالدبابات في فيتنام [قبل هزيمتهم]، بينما أنت تخوضها ببيادق الشطرنج". دخل "بوبي" حربه الصغيرة وربح اللقب الدولي، فابتهجت أميركا.

بعد "مباراة القرن" اعتزل "بوبي" الحياة العامة. وفقد اللقب. وفجأة ظهر في عام 1992، أيّ بعد 20 عاماً، بجمهورية يوغسلافيا، مستعداً لخوض مباراة ودية، مع خصمه السابق "سباسكي"!

"حمَّرت" السلطات الأميركية عينيها عليه؛ لأن يوغسلافيا خاضعة لعقوبات واشنطن، وحذرته من الاعتقال. وردَّ بمؤتمر صحافي بالبصق على أمر الرئيس جورج بوش.

ولأنه عنيد، لعب ثم لم يعد إلى دياره. تنقل بين البلدان، حتى انتهت مدة جواز سفره. وأطلق في تجواله تصريحات معادية، لأميركا وإسرائيل، ومن بينها دعمه لهجمات 11 سبتمبر.

وسط هذا التشتت بين القارات، طلب "بوبي" من حكومة "آيسلندا" في ديسمبر العام 2005 الحصول على الجنسية، ووافق برلمان الجمهورية بالإجماع، وذلك لأسباب إنسانية، وتقديراً لوضعه اسم "آيسلندا" على خريطة العالم، بعد مباراته التاريخية على أرضها في عام 1972.

لم يغادر أسطورة الشطرنج عاصمة مجده، ودفن بها في 17 ديسمبر 2008.

بعد هذه السيرة الحافلة، التي يُلخِّص أغلبها فيلم (Pawn Sacrifice)، الذي يُعرض حاليا بدور السينما، أعيد التذكير بتصريح للرئيس أوباما، قبل أشهر، عن نظيره الروسي بوتين، بأن الأخير ليس أستاذاً في لعبة الشطرنج.

يتكرر التاريخ في لعبة الشطرنج الأميركية الروسية الدائرة رحاها هذه الأيام على الأرض السورية.
ولننتظر من سيقول: "كِش ملك"!

تيار
"المثابرة أكثر نفعاً من العنف".
المؤرخ الإغريقي بلوتارخ

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.