المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رشا وليد زغلول Headshot

مترجم؟ أم مترجم محترف؟

تم النشر: تم التحديث:

لقد جعلت الترجمة التّواصل اللّغوي بين الشعوب على مرّ التاريخ أمراً بالغ السهولة، فقرّبت البعيد ودمجت الغريب. وقد يكون من السهل لأيّ شخصٍ تحديد معنى الترجمة بوصفها نقل الكلمات والجمل من لغةٍ إلى أخرى. ولكنّ ذلك يعتبر تعريفاً سطحيًّا غير دقيقٍ وغير عادلٍ لهذا المجال الواسع. فالترجمة من الناحية العملية هي فن اتّخاذ الخيارات من الكلمات والعبارات أو الاستعارات الصحيحة. قد يظهر لدى المترجم العشرات بل المئات من الخيارات في لحظات، لكنّ الحسّ النّقدي هو الذي من شأنه أن يسمح له بإزالة أو ببساطة تجنّب أيٍّ من هذه الكلمات أو العبارات أو الأخطاء التي قد تجعل الترجمة ضعيفة.

وشخصيًّا، أعتبر أنّ الترجمة هي لوحةٌ فنيةٌ إذا ما أُتقن صنعها، فكما يُمضي الرّسام وقتاً طويلاً في جعل لوحته تبدو مميزة ومتناسقة من حيث الألوان والأشكال وغيرها من العناصر الفنية، كذلك يستغرق المترجم وقته في العثور على الكلمة المناسبة لساعاتٍ وربما لأيامٍ لإضفاء الروح على النص وجعله في تناسقٍ تام مع بقية العناصر اللغوية.

والاعتقاد الخاطئ الأكثر شيوعاً حول الترجمة هو أن أيَّ شخصٍ يعرف لغتين اثنتين بإمكانه أن يقوم بالترجمة. وسأقوم هنا بتوضيح تمييزٍ مهم. يمكن للمرء أن ينظر إلى الترجمة من الناحية النظرية على أنها علم، أما من الناحية العملية فمن العقلاني النظر إليها على أنها فنٌّ في المقام الأول. تتطلّب الترجمة أكثر بكثير من مجرد معرفة لغتين أو أكثر. إن القدرة على تحويل الكلمات حرفيًّا من لغةٍ إلى أخرى هي أول المهارات الأساسية المطلوبة من أي مترجم. ولكن من الناحية العملية، تتطلّب الترجمة شيئاً أكثر إبداعاً من ذلك بكثير، فهي تنطوي على الفهم الغريزي للكلمات والعبارات التي يمكن أن تعمل معاً لتحقيق أفضل النتائج من أجل الكشف عن كلٍّ من القصة والفروق الدقيقة التي تخلق السياق والقصد الواضح.

ومن المفيد التمييز بين نوعين اثنين من الأشخاص القائمين على أعمال الترجمة، المترجمون، والمترجمون المحترفون. فالسابقون هم أولئك الأشخاص الذين يعتبرون الترجمة على أنّها علمٌ ويستخدمون معرفتهم في مجالٍ معين لأعمال الترجمة، فأيّ شخصٍ يعرف لغتين إلى حدٍّ معين يمكنه أن "يترجم" وهذا يعني أن أيّ شخصٍ يعرف لغتين بإمكانه تحويل الكلمات من لغة (اللغة المصدر) إلى أخرى (اللغة الهدف). لكنّ الترجمة ليست مجرد نقل بعض الكلمات من اللغة المصدر إلى الهدف، وهذا حال الكثير من الناس مع الأسف. وغالباً ما ينخدع غير المترجمين بهذه الحقيقة.

أما المترجم المحترف، من ناحية أخرى، فهو الذي يتعامل مع الترجمة على أنها علمٌ وفنٌّ معاً. فلديه في الحقيقية القدرة على التعامل مع اللغة ويمتلك فهماً عميقاً لها. المترجم المحترف هو الذي يحرص على نقل لغة وثقافة المجتمع والبلدان التي يقوم بترجمة نصوصها، ويكرّس وقته لتحسين قدرته على فهم اللغة المصدر والكتابة في اللغة المستهدفة. وهو يدرك أن الترجمة هي فنٌّ ومهارةٌ على حدٍّ سواء. وعلى هذا النحو، فهو ملتزمٌ بتعميق معرفته حول المجالات التي يترجم إليها، فالكلمات هي أكثر من معنى فقط، الكلمات هي نقل المشاعر والمفاهيم الثقافية التي قد تكون موجودة في لغةٍ واحدة ولكن ليس في بلدٍ آخر.

قد يكون الهدف الذي يسعى إليه كلا النوعين من المترجمين واحداً، وهو أن يكونا عادلين للنص الأصلي. لكن من المفيد أن ندرك أن القدرة على القراءة والتحدث والكتابة بلغةٍ أجنبية لا يعطي ترخيصاً لأيّ شخصٍ بإجراء أعمال الترجمة.

وفي الختام، لا بدّ أن ندرك أن الترجمة هي علمٌ وفنٌّ في آن واحدٍ. فهي علمٌ بمعنى أنها تتطلب المعرفة الكاملة لهيكلة اللغتين المعنيتين. وهي فنٌّ لأنّها تتطلّب موهبةً فنيةً لإعادة بناء النص الأصلي في شكل المنتج الذي سيظهر للقارئ والذي ليس من المفترض أن يكون على درايةٍ بالنص الأصل، ولأنها تنطوي على القدرة على مواجهة أي صعوبةٍ في الترجمة بشكل سلس والقدرة على توفير ترجمة شيءٍ لا مثيل له في اللغة الهدف. وهنا يكمن الفرق بين المترجم والمترجم المحترف. فمن أي فئة من المترجمين أنتم؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.