المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا شعبان Headshot

عندما رحل أبي

تم النشر: تم التحديث:

حينما مرض أبي علمت أن الأجل آتٍ لا محالة، بنزول ذاك المرض المهلك ينقلب بندول الرمل وتنزلق حبيباته تباعاً حتى آخر حبة. شهورٌ معدودة يتهالك فيها أمام عيني شيئاً فشئياً ويكتسي ثوب الرحيل.

تتشابه التفاصيل أو تختلف، ولكن ما إن بدأت فاعلم أن الأقلام قد رُفعت وجفت الصحف وصار المداد عزيزاً في كتابة مزيد من السطور معهم.

نستيقظ كل صباح فنجد أن المرض جاء ليحمل جزءاً من أبي ويرحل به بعيداً غير عائد، وسواء الناسك فينا أو التائه لا نملك سوى أن نطأطئ رؤوسنا في رضا وصمت لمشيئة الله فينا وفيه، ويرحل بعضه وبعضه ثم يرحل كله.

كان أبي وتداً قائماً في منتصف البيت، منا مَن يتلصق بوجنتيه يحتمي بجداره ومنا من يدور في فلكه عن بُعد.

لكننا لم ندرك ذاك الوشاح المرتمي فوق رؤوسنا في خفاء نرتع في حماه غير مكترثين لطول أمده كم يصرف عنا ما لا نعي إلى أن سقط عن أكتافنا.

واصطبرنا وتصبرنا.. اجتمعنا حول قبره وتفرقنا كلٌ حاملٌ لوعته بحجم حبة قلبه ومؤونة بقدر إيمانه، ولكن أسماءنا المتشابكة باسمه ظلت تطاردنا كلما توهمنا النسيان والسلوى.

غياب الأب الحاضر هو غياب مركزية البيت ونقطة الاتزان التي نطوف حولها لنحفظ توازننا في الحياة، فلا نشت ولا نصطدم بفعل اضطراب القوى المركزية الطاردة والجاذبة حولنا.

فاللُب إذا ما نُزع من جوف الثمرة مالت مهما زاد وزنها وصلابتها، وحينما يفنى عضوٌ يبحثون له عن عوضٍ يملأ مهامه الوظيفية في الجسد، وحينما فني صوت أبي من البيت لا عوض له.

ذاك الرجل الصامت الكامن أمام علمه وكتبه ونحن نلهو حوله، ننشغل عنه ونعود إليه نفاجئه بما اقترفت أيدينا؛ ليجد لنا حلولاً سحريهة لما استصعب علينا، نمطر عليه بجنون رغباتنا وثرثراتنا ونزاحمه في أفكاره وأحلامه فينا.

ندرك متأخراً مكنون تلك النظرة التي كان يبعثها إلينا من خلف نظارته الزجاجية ونحن نمر في عجلةٍ من أمامه، أنه كان يخاطب بها كلاً منا بلغته، فهذا يوجهه وهذا يؤيده وتلك يشد أزرها وأخرى يدعو لها.

اليوم يمر تسعة أشهر على غياب والدي وأنا الأبية في الحديث عنه، تسعة أشهر بعدد الأشهر التي اكتمل فيها نمو كل موروثٍ منه بي.

قد يصمت الآباء طويلاً فنظن في حضورهم غياباً إلى أن يتحدث غيابهم عما كان يصنع حضورهم.

من بعد أبي أصبحت أبحث عن نجاحٍ أهديه إليه، أهذب نفسي الشعثاء من ضلال الدنيا ليمتد الثناء إليه بحسن ما أدبني ورباني.

أصحو كل يومٍ أهدهد كسلي وضجري لأكمل حلماً كنا نجلس على السجادة دبر الصلاة ننسجه بخيالنا وضحكاتنا معاً.

أبحث عن خيرٍ أزرعه ليس لأجلي ولكن ليراه خضراً سندساً عند لقيانا.

لم أكن أخشى كثيراً إن أخطأت في سابق عهده، بات قلبي أكثر استحياء في غيابه عن حضوره.. أريد أن ألقاه برأسٍ مرفوعٍ كما يأمل فيّ، كنت لا أعتل إذا أخفقت يوماً لثقتي أن لي كتفاً أستند عليها وأتمرمر في خضبها، غدوت أنصب وتدي بيدي الهزيلتين أوثقه بحول الله ومِنته عليّ.

أبي صنع من قوارير قلوبنا الزجاجية صوامع حديدية لنمضي بها قدماً رغم ضعفنا.

بقدر حديثنا الفقير إلا أنني الآن أقرأ حكمة صُنعه لي فيما غاب عني آنفاً.

ليتنا نعجل بحديثٍ حميم معهم وسط معترك أيامنا وإن اختلفت لغاتهم عنا نلتمس فيه وصلاً قد نبكيه إذا ما رحل الركب.

ذاك النور الذي لا نفهم مبعوثه في حياتنا إلا إذا انطفأ نور عيونهم يستحق أن نبصره مبكراً.

استيقظوا قبّلوا أيديهم قبل أن تندثر تحت التراب، وخاطبوهم قبل أن يُذهب المرض بهم وينقلب البندول، فلا ذكريات تؤرخ معهم أو لديهم.

أفصحوا عن مكنون مشاعر جفت من طولِ صمتٍ وانشغال واعتياد.

عانقوهم.. عانقوهم طويلاً فيوماً ما سنشتاق لذاك الحضن الحاني الآمن فلا نجد له سبيلاً ولا بديلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.