المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

"حماس" بين المطرقة والسندان

تم النشر: تم التحديث:

2017-10-04-1507117368-1417750-1.jpg

كنت دائماً أقول: "لا تُعِد شرح مسلمات أثْبت صحتها من قبل"، ذلك أني أرى أن من يريد أن يتعلم لن يطالبك بالتفسير طالما قد قدمت له خطوات مرتبة مقنعة، ولأن إعادة شرح المسلمات يحصرك في المربع صفر لن تتجاوزه أبداً، فمن أراد أن يعلو، عليه أن يبني على ما قد تم إثباته، ولكن للأسف، يبدو أننا قد تآلفنا مع هذا المربع الذي ضاق بنا، واللطيف أننا صرنا نلعن المربع، ولا نكتفي بذلك، بل ونشكك فيمن جازفوا وخرجوا منه.

أحدثكم اليوم عن المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس التي تمت بجهود مخابراتية مصرية حثيثة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

توالت بعثات حركة حماس إلى القاهرة بدعوة منها لبحث الملفات المتعلقة بالأمن والمعابر والموظفين والمقاومة، تلك الدعوة التي تعد اليوم في عرف النظام تصالحاً، وكانت بالأمس مع محمد مرسي تخابراً وخيانةً!

ذكرني رد فعل المتابعين على التنازلات التي قدمتها حركة حماس بهجومهم العنيف على مرسي في عام حكمه، حين كان يقدم تنازلات محسوبة اعتبرها مؤيدوه ضعفاً وتخاذلاً، ومن ثم صار اليوم في نظرهم مضيعاً لثورة ومتسبباً في انقلاب، متغافلين عن الوضع الشائك الذي كان يمر به "وحده".

كما ذكرني بتعنيفهم أردوغان حين وافق على تطبيع مدروس مع الصهاينة، فتحول بنظرهم فجأة من سلطان إلى والي عكا الذي أشيع أنه خان جيوش المسلمين وما فعل فقد كان قائداً ومهندساً حربياً منقطع النظير، متناسين أن الرجل يحكم دولة علمانية، وأنه يحارب وحيداً دولاً عظمى تثير القلاقل في بلاده داخلياً وخارجياً.

تذكرت صيحاتهم حين ذاع أن الغنوشي في تونس يعلن عن انفصال حركته عن الإخوان المسلمين، وأيضا عندما تلقت حركة حماس معونات من إيران.

أصابتني الدهشة حين قرأت تعليقات لبعض كبار الكتاب عن حماس، فرموها بالانهيار والانكسار وقبول الدنية! يعرف الجميع سياسة تضييق الخناق التي أُحكمت على الحركة إثر الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في مصر، وإن كان قد تمت حياكة تلك السياسة على مدار سنوات طويلة منذ انقلاب يوليو/تموز، ولا تخدعنكم مؤتمراتهم ومباحثاتهم ووفودهم من أجل القضية كما زعموا، فالأمر عندهم لا يتعدى كونه رداء شرف لمن عدمه أو ابتزازاً مادياً من العرب والغرب على مائدة القضية.

كان الانقلاب في مصر كارثياً بالنسبة للحركة، فبعد أن كانت حماس هي رمز البطولة والمقاومة، تحظى بالدعم المادي والمعنوي، صارت كياناً إرهابياً يقتحم الحدود ويكسر السجون ويروع الآمنين ويسيطر على الحكام ويغزو سيناء ويهرب السلاح ويقتل الجنود، وصار كل حاكم يدعمها خائناً متخابراً يريد خراب المنطقة.

اجتمع الزعماء والملوك في دار الندوة واتفقوا على أن يفرقوا دمها بين الشعوب، فأصبحت لا تحظى بتضامن المسلمين، ولا تلقى مساعدات تسد بها رمقاً أو تصنع بها سلاحاً.

منعوا عن غزة المعونات والسفن المحملة بالغذاء والدواء في حصار دنيء فتحولت لدى نسبة من مواطني القطاع لعقبة كؤود ودوا لو أزالوها.

صدروا لغزة الأزمات المفتعلة من كهرباء وإعمار ورواتب عصفت بالمواطن الفلسطيني، فصار الحديث عن مقاومة في نظره إذا ما تمت المقارنة بينها وبين مقاومة الجوع نوعاً من أنواع الرفاهية.

وهنا حسمت المساومة، فإما أن تتنازل حماس عن المشاركة السياسية الفاعلة، وأن تنسحب من المشهد تاركةً المجال لفتح المتعايشة مع الكيان والملوك والزعماء المطبعين، وإما أن تخوض حرباً خاسرة لن يكون عدوها فيها ذاك اللقيط، وإنما سيكون أول أعدائها هم مَن هللوا لها من شعبها؛ لتجد نفسها فريسة سهلة لأكلتها من كلاب العالم.

انخدع الجميع باحتفاليات المصالحة بفلسطين وببسمات إسماعيل هنية ومقابلته مع عمرو ولميس التي ما سحرت أعين الأرملة السوداء.

قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني: "لن نقبل بمصالحة (كاذبة)؛ حيث الطرف الفلسطيني يتصالح على حساب وجودنا، مَن يريد أن يقوم بمثل هذه المصالحة، ففهمنا لهذه المصالحة بسيط جداً: اعترفوا بدولة إسرائيل وقوموا بحل الجناح العسكري لحركة حماس واقطعوا العلاقات مع إيران التي تدعو إلى إبادتنا"، ويبدو أن محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، استجاب على الفور فقد أكد في مقابلة تلفزيونية مع قناة مصرية أن موضوع سلاح الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس "يجب أن يعالج على أرض الواقع. هناك دولة واحدة بنظام واحد بقانون واحد بسلاح واحد".

ظنَّ بعض الناس أن حماس قد انكسرت، وظن آخرون أنها قد أُغريت والشعب الفلسطيني بالمال، وأقول إن كل كيان يمر بكبوات، وحين يكثر الطعن، طبيعي أن يضعف الجسد فيحتاج أن يربض قرب نهر يداوي جراحه، ولا أظن أن شعباً عرف شرف الحرب من أجل دين تخضعه دراهم.

الرأي الذي هالني حقيقة هو أن يشبه موقف حماس بموقف حزب النور عندما داهن الانقلاب!! للحركة بصمات جهاد ضد عدو الأمة كلها نحتت بدم شهداء حاربوا بالنيابة عن مليار ونصف المليار من الغثاء، فكيف نقارن هؤلاء بمن تحدثوا عن حراسة حدود العقيدة التي تقف عند لحية ونقاب؟! الذين لما رأوا النار مستعرة قالوا نعتزل خشية فتنة كانوا هم حطب جهنمها.

لا يُصنع التاريخ بالخطب والدموع، بل بالأفعال واتخاذ القرارات والجهاد من أجلها وتحمل المسؤولية، يكتب التاريخ دائماً بكلمة حق وقت خوف، أين تاريخ هؤلاء الذين تعنتوا على وقفة لسلام جمهوري بينما أيدوا سفاحاً.

قال قائل: نريد مصالحة حقيقية، وأقول: إن المصالحة الحقيقية بين أي طرف علماني وآخر إسلامي بأي دولة عربية هي محض وهم يروج له، فالطرف العلماني لن يرضى حتى يتبع الإسلامي ملَّته، ولأن فعل ليكونن من الخاسرين، وهذا هو المطلوب.

فلا حل أمام الإسلامي سوى أن يتحايل حتى ينجو من طوفان علماني مؤيد من الغرب والشرق إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

والسؤال الذي يلح عليّ: هل يجب على السياسيين الذين نؤيدهم أن يتصرفوا كما في الأفلام؟!

هل يجب أن نرى مشاهد لهم وهم يذرعون أرض الحجرة جيئة وذهاباً وخلال ذلك نسمع تسجيلاً صوتياً لهم يشرحون فيه حجم المؤامرات التي تحاك ضدهم، وذلك الحزن الذي يعصف بهم، ثم ينظرون إلى الكاميرا والدموع تنهمر من أعينهم فيقصون علينا بإصرار خططهم اللئيمة للخلاص من قبضة النذل، هل إذا ما أرادوا أن يتحايلوا على ما يمرون به من عواصف وأعاصير بهدوء أعصاب وقسمات منفرجة لخداع العدو، أن يلتفتوا إلينا بعدها بابتسامة شريرة وتظهر فوق رؤوسهم فقاعة مكتوباً فيها "ضحكنا عليهم"؟!

متى يمكن أن نتعامل مع ما يمر بأمتنا من خطوب بشيء من الجدية والمسؤولية؟! يقف مؤيدو الباطل بكل ما أوتوا من قوة خلفه بجلد يحسدون عليه، ونقف متشككين ساخطين متفلسفين خلف كل من يجابه باطلاً، فيا من تحاسبون حماس اليوم، أين كنتم من قبل؟ وأين أنتم اليوم؟ وأكرر، لأن تشجع من مقصورة المتفرجين فهذا لا يعني أنك تستطيع أن ترسم خطط مباراة أو أن تحرز هدفاً في مرمى، ولكن على الأقل تابِع بدقة، واجمع خيوط حركات اللاعبين، ورايات وصفارات الحكام، وانتبه لأرضية الملعب ومناخ المباراة، فقد يكون ما تظنه خطأ خططياً لا يتعدى أن يكون مجرد "ترقيصة"، وقد تحسب السقطة التي انفعلت من أجلها "ضربة جزاء".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.