المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

أخطاء الإخوان الأربعة عشر

تم النشر: تم التحديث:

الإخوان المسلمون فصيل سياسي ذو مرجعية دينية، مثله كمثل أحزاب وفرق كثيرة على مستوى العالم؛ إلا أنهم هناك يصنَّفون كيمين له كل الحق في المشاركة في العمل السياسي، وله الحق كذلك في أن يصل إلى حكم البلاد دون أن يرميه أحد بأغرب اتهام في حق أي جماعة سياسية ألا وهو (السعي للوصول للسلطة) طالما استخدم سلماً ديمقراطياً والتزم بقواعد اللعبة السياسية.

كان الإخوان ضلعاً قوياً في جسد ثورة يناير، بشهادة باقي الفرق الثورية، حصلوا على الأغلبية بمجلس النواب، ثم نجح رئيس حزبهم السياسي في الوصول إلى منصب رئيس للجمهورية.

لم نرَ في العالم حتى الآن نظام حكم ملائكي معصوماً من الخطأ، ولكن أخطاء هؤلاء رفعت لمرتبة الخطايا وتم رصدها وتكبيرها وتحويلها لحائط رجم يحج الناس إليه مع كل أزمة أو حدث، بل وأججت لهم الأخاديد ناراً لينذر رفقاء ثورتهم عندها القرابين تقرباً لآمال وطموحات وقف الإخوان حجر عثرة أمام تحقيقها، في حين اختبأ هؤلاء الرفقاء في الظلام بعيداً عن النقد والتجريح، خلف كشافات ضخمة سلطوا أضواءها بعناية على كل تفصيلة صغيرة في عالم هذه الجماعة.
ذكرت في مقال سابق (مين طفى النور؟) أن ما حدث لأول نظام ديمقراطي منتخب لم يكن مسؤولية معارضيه بقدر ما كانت سقطة كارثية من مؤيديه، هؤلاء الذين لم يدركوا في محطات كثيرة لقطار الثورة أنهم يسحبون إلى مياه الثورة المضادة العميقة دون أن ينتبهوا، فما أفاقوا إلا والجميع قد ابتلعهم الموج.

اليوم، أردت أن أتحدث حول أخطاء حقيقية مؤثرة من جانب الجماعة ساهمت في إلقائهم في الجب؛ دون مبالغة في تأييد أو هجوم؛ فأحاديث المشاعر لا تصلح أوقات الحروب.

أولاً: أهملت الجماعة التواصل مع شبابها بشكل يناسب زمنهم، فلم تدربهم على مواجهة أفكار ظاهرها جنة وباطنها النار، فكانوا فريسة سهلة لغواية شباب آخر في مثل سنهم، رأوا فيهم الاندفاع والحماسة التي هي طبيعة هذا العمر الغض، هذا الآخر أشعرهم بأنهم مهضومي الحقوق، مسلوبي الإرادة، بطيئي الخطى. أدخل هذا الآخر بنعومة وسط الشباب مفاهيم جديدة رسختها أساليب قديمة انتهجتها الجماعة لم تعد مناسبة لهذا العصر.

تلك الفجوة الزمنية المعتادة التي تعاني منها الأجيال المتعاقبة؛ فصار الصغار يرون كل ما تفعله القيادات خاطئاً، بل وسبباً في كل ما يحل بهم من كوارث، وأنه لا حل إلا بالتخلص منهم دون أن ينتبهوا إلى أن من سربوا إليهم تلك الأفكار يقدسون أصناماً فكرية وقيادية ربما أكثر مما يفعلون هم؛ وصار كبار الجماعة يواجهون اندفاع الشباب بالصبر تارة وبالحزم الموجع تارة أخرى.

ذلك الخطأ ظهر أثره على شباب إخواني ثائر لفظته الجماعة بعد ثورة يناير حين كان يجر الجماعة بكل قوته نحو مظاهرات لا ترى الجماعة فيها خيراً لها فكان رد فعل الشباب أن أشاعوا أجواءً من التمرد تمددت مع الأيام لتظهر في نقد مستمر قد يصل إلى السخرية من قرارات الجماعة في محطات الثورة المختلفة، ثم بعد مذبحة رابعة واعتقال المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد وقيادات الجماعة، وفي النهاية أفضت إلى حالة الانقسام الراهن في صفوف الجماعة ما بين صقور وحمائم، وشباب وشيوخ.

ثانياً: لم تلتزم الجماعة بنفس القدر من الصرامة في شروط ضم أعضاء جدد لها منذ عهد السادات، ومع الوقت أصبح بعض الأعضاء الجدد الذين ما انضموا إلا لمصالح يبغون تحقيقها من وراء الجماعة يشكلون عبئاً عليها، فأصبحوا واجهة سيئة لها، لا لأعمال شائنة قاموا بها، ولكن لأسلوب تعامل لا يؤخذ عليهم بقدر ما يؤخذ على الجماعة ذاتها؛ وحين شعروا بالخطر قفزوا من قارب الإخوان حين خرق وأزالوا كل ما قد يشير إلى أنهم قد كانت تربطهم بها أي علاقة من قديم أو بعيد.

ثالثاً: كانت ضربات الإعلام قاسية فاستُهلك أبناء الجماعة في عمليات التبرير المستمر الذي كان ينتهي بهم في النهاية إلى اللا شيء، فلا أحد يتركهم ليكملوا فكرة أو ليهدموا اتهاماً، كان الأمر يحتاج وقتها إلى برنامج ذي إعداد قوي يتناول كل الاتهامات ويرد عليها ردوداً واضحة بالدليل والبرهان.

رابعاً: اعتقد الإخوان أن أعمالهم ستتكلم عنهم، وأن النتائج ستكون أقوى من أي حديث، وغفلوا عن أن أحداً لن يمهلهم ليظفروا بنتائج، كان عليهم أن يدركوا أن شعباً تؤثر فيه دموع ممثل فيبكي معه، وتحرك مشاعره آهات الست (ساعة عصاري)، ويستبدل جلسات مفصلة للجنة تضع دستور بلاده وبرلمان يسن قوانين تمس كل صغيرة وكبيرة في حياته، ببرامج توك شو خفيفة يشاهدها في وقت فراغه، لن يلتفت إلى كل ما يبذل طالما لم يحدثوه بنفس لغته، لغة (القفشات).

حين استخدمت الثورة المضادة ذراع الإعلام الذي وجهت دانة مدفعه بدقة نحو رأس رئيس الجمهورية، كان لا بد من تكثيف العمل الإعلامي عن طريق التنظيم في الشوارع، كما اعتادت الجماعة في حملاتها الانتخابية. فإهمال الجانب الإعلامي من طرف الجماعة كلفهم الكثير.

خامساً: كان لا بد من إذاعة بيان يومي في نقاط محددة، يلقيه شخص مفوه، بحيث يكون نشرة إخبارية يومية تغطي جوانب القرارات الرئاسية والبرلمانية وحتى على مستوى المحافظات.

سادساً: للإخوان سمت واحد يظهر على الناس، احتاج الإخوان إلى وجوه وألسنة مختلفة تخاطب فئات الشعب المتباينة، من سكان العشوائيات وحتى رواد الساحل الشمالي.

سابعاً: تفنيد الأسس الشرعية للقرارات كان أمراً رئيسياً؛ حتى لا تتهم الجماعة بأن الغاية تبرر الوسيلة وتظهر في النهاية بمظهر المنسلخ عن مبادئه ودينه، كما حدث في فتنة سلمية الثورة وشرعية شراكتهم فيها، وغيرها من القضايا.

ثامناً: برغم النوايا الطيبة التي حملتها الجماعة نحو رئيس خرج من عباءتها، إلا أنهم تسببوا في الكثير من الحرج له من خلال تصريحات لا تتسم بأي نوع من الحصافة، فكانت صيداً ثميناً لكل من أراد أن يرمي أول نظام ديمقراطي بحجر.

تاسعاً: استخدم من كل من تولي منصباً من أعضاء الجماعة أسلوباً قديماً في الحوار لم يعجب الشباب الذين هم عماد هذه الثورة، يعتمد هذا الأسلوب على أنك تسمع إجابة مطولة للسؤال وتخرج في النهاية خالي الوفاض، لا أنكر عليهم حق احتفاظهم بخبايا لا يصح أن يتحدثوا عنها علانية، ولكن يحتاج الحوار في زمننا هذا إلى أبجديات جديدة تناسب سياسة الهروب دون أن تصيب المستمع بعده بالدوار.

عاشراً: كان عليهم أن يكونوا أكثر حضوراً سياسياً في أحداث كمحمد محمود والعباسية وشبيهاتها، أتفهم أسباب الإحجام عن التواجد التنظيمي، ولكن حضوراً باهتاً حين ينتظر منك خصمك هذا، لهو وجبة دسمة له على طبق من ذهب.

حادي عشر: لم يُشرك الإخوان مؤيديهم من عامة الشعب بأدوار صغيرة مؤثرة تبقى في قلوبهم جذوة مناصرتهم، اعلم أن مؤسسات الدولة لم تكن تحت تصرف رئيس الجمهورية ولا يعنيها أمر البرلمان، ولكن مشاركة الأفراد بعد أن شعروا أنهم يملكون أرض هذا الوطن كانت أمراً لازماً حتى لا يُتركوا نهباً للشكوك ولإعلام مضلل يزيل كل أثر طيب لعمل يقوم به النظام الجديد.

ثاني عشر: الإخوان عرفوا بين الناس كفصيل إسلامي، وحين حاولوا موازنة المعادلة باسترضاء العلمانيين، لم يفطنوا لعيون مؤيديهم التي تراقبهم ولا تعي ما الذي يجري، أهو تخلٍّ عن الشريعة التي دافعوا عنها أم هي مناورة لكسب تأييد شعبي؟! كان على الإخوان حينها طمأنة هؤلاء بشكل يبقيهم كدرع واق من ضربات خصومهم.

ثالث عشر: كانت خطابات مرسي -على الرغم من قوتها- تحتاج إلى اختصار وإيضاح ماكر محسوب لما يحتاج الشعب إلى سماعه في لحظات معينة حتى لا يصاب المتلقي بإحباط، احتاج الخطاب أيضاً أن يستميل القلوب التي لا تقنع بكلام العقل، وكما رأينا فإن خطاباً عاطفياً واحداً من مبارك كاد يقضي على ثورة 25 يناير في مهدها لولا أن من أراد تأجيجها كان متيقظاً فأراق دماء محت كل أثر لكلمات رقراقة قطرت من فم رئيس فاسد.

رابع عشر: دفاع بعض أعضاء الجماعة عن الجيش ربما عن جهل أو ربما لمحاولة الحفاظ على كيانه من محاولات هدمه أو ربما لعلم حقيقي بما ينتويه الجيش بمصر وبالمخطط الذي يجري على الأرض من بداية الثورة، وربما لخوف جارف مما يعلمون أنه يستطيع أن يفعله في ظل ما رأوه من جيوش المنطقة، هذا الدفاع بهذه الطريقة ما زاد الطين إلا بلة، فتسبب في حالة من البلبلة غير مسبوقة، فالناس حقاً لا تعلم عن الجيش سوى ما صب في عقولهم وآذانهم صباً، والشباب على مختلف مشاربهم شاهدوا بأم أعينهم في المواقف الثورية المختلفة من الذي قتل إخوانهم، وقد رأينا النتيجة في النهاية حين صب الإعلام زيته الأسود على نار هذه البلبلة، أن تحول الناس من الهجوم على القاتل إلى التمثيل بجسد الفريسة.

كلامي هذا لا يعني أن تلافي تلك الأخطاء كان سيغير ما آلت إليه الأمور، فما كان مقدراً كان سيحدث سواء سار الإخوان على دربهم أم استجابوا لابتزاز باقي الفصائل؛ سواء استخدموا طرقهم التقليدية أم حدّثوها؛ كما أنه لا يعني أن أخطاء الإخوان وحدها هي ما تسببت فيما نمر به اليوم.

بل إني على العكس أرى أن هذه الأخطاء -التي نتجت عن حبس فصيل لما يزيد على 80 عاماً ثم دفعه ليكون في صدارة المشهد- كان بالإمكان أن تعدل ببساطة، لو أن من قاموا بالثورة التفوا حولها وحموها في شخص رئيس انتخبته أغلبية طفيفة من شعبه، هذا الرئيس كان غيره ليكون جالساً في كرسيه الآن بانتخابات حرة نزيهة حَرَمَنا منها طامعون طامحون ألبسوا الذئب مسوح الثورة أملاً في أن يجهز على الثور الأبيض، فلما انتهى منه استدار وأكلهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.