المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

الأبريليون

تم النشر: تم التحديث:

صراع حامى الوطيس استغله وسعره وأداره بحرفية شديدة طرف ثالث ، كان غامضا لقطاع كبير من المصريين إلى أن كشف عن وجهه فى رابعة والنهضة . نشب النزاع بين من سماهم الغرب اسلاميين وعلمانيين . والحقيقة أنه ليس هناك فئة بيننا تسمى اسلاميين ، فأغلبية المصريين مسلمون إلا أن هؤلاء ربما تميزوا ببعض الالتزام فى الشكل أو الزى أو الخلق ، كما ان علمانية مدعى الانتماء إليها لا تعدو كونها هروبا من الالتزام بمظاهر اسلامية ، أو اتيان معاص لا يريدون أن يلاموا عليها ، أو فكاكا من قيود اجتماعية ومفاهيم مغلوطة لتفسيرات شرعية دفعتهم للمبالغة فى العناد والكبر .

دار الصراع المحموم بين الطرفين ، فأحدهما ينعت الآخر بالكفر ، والثانى ينعت الأول بالاتجار بالدين، إلى الدرجة التى دفعت الطرف العلمانى لركوب دبابة الطرف الثالث ليمزق جسد الطرف الأول بجنازير دبابته ، ليتخلص من امكانية وصوله للحكم ونشر مبادئ والتزامات هرب منها فى زى التحرر ولا يرغب فى من يضيق عليه من خلالها .

يظن البعض أن الابريليين هم فئة علمانية محددة فى المجتمع تنحصر فى حركات أو أحزاب يسارية . ما لا يدركه الناس أن شعب مصر قد سرت العلمانية فى أوصاله حتى وصلت لرجل الشارع العادي ، وصلت إلى من نصفهم بالمتدينين الملتزمين ، بل الأسوأ إلى شيوخ ازهريين يؤمون الناس فى المساجد ويفتون بالحل والحرمة .

الابريليون ليسوا نسيجا غريبا عنا ، فهم اخوتنا وأخواتنا وأمهاتنا وآباؤنا وأقاربنا ، هم ليسوا كفارا ، بل إن كثيرين منهم يحافظون على الصلاة وقراءة القرآن ويبتغون فضلا من الله ورضوانا ..فماذا حدث؟؟؟

بحث أعداؤنا كثيرا فى أمرنا بعد انكساراتهم الكثيرة أمام جيوش المسلمين ، شكلت هزائمهم المذلة أمام كيان الدولة العثمانية عقدة أشعلت صدورهم إلى اليوم ، تلك الدولة التى تم تشويهها على مر السنين فى عيون أبناء المسلمين ، فصارت احتلالا للبلاد التى سيطرت عليها ، ووصف ولاتها وخليفتها بالضعف و الظلم والمجون والترف ومعاشرة النساء ، لا تتحدث كتب التاريخ الموجهة إلى الصغار عن انتصارات لهذه الدولة إلا بشكل مشتت فلا يدرك الصغير أول الأمر من آخره ، ثم يأتى المضمون فى النهاية أنها كانت دولة مليئة بالصراعات والفشل والجهل ، إلى أن يدرسوه فترة حكم محمد على لتتفتح عيونه على أول حكم علمانى لمصر ، فيصبح ذلك بذرة الأمل التى غرست فى قلبه للخروج من مستنقع التخلف الذى أقنعوه أنه ينتمى إليه لأنه حفيد من عاشوا فترات التخلف التى لن يكلف نفسه عناء البحث عن صحة رواياتهم عنها عندما يكبر .

بدأ الأمر عندما ضعفت الدولة العثمانية وظهرت عليها علامات الانهيار بعد حكم دام ستمائة عام ، لا يعقل أن يكون مهترئا من بدايته .

وجد الفرنساويون فرصة سانحة لاحتلال أغنى اقليم فى الدولة العثمانية وأفضل مواقعها الاستراتيجية ، ألا وهو مصر ، ولكن نظرا لضغط حملات العثمانيين القادمة من الشام وسوء أوضاع فرنسا الداخلية وتدخل الانجليز لم تستطع ان تواصل حملتها وانسحبت ، ولكنها لم تخرج خالية الوفاض ، فقد درست أحوال شعب مصر وسيكولوجيته ، وعرفت كيف يمكن ان تحتله وإن لم يكن احتلالا مباشرا .

أثناء الحملة الفرنسية أرسى نابليون فى مصر أول واكبر محفل ماسونى فى الشرق واسمه "«المحفل الأكبر الوطني المصري للبنائين الأحرار القدماء المقبولين»، ويعتبر هذا المحفل هو خليفة المحفل الأول بفرنسا والذى يعتبر الأهم فى الغرب ، فكان الأول بذرة تدمير الغرب ، والثانى بذرة انهيار الشرق .

كان محمد على يونانيا أوروبي المنشأ ، وكما قال الدكتور على الصلابى "لم يكن من السهل على شاب قليل الخبرة وقليل المعرفة بمصر وطبيعتها أن يصل إلى ما وصل إليه محمد علي، مهما كانت قدرته أو ذكاؤه إلا إذا كان يستند إلى قوة تخطِّط له وتعينه على تحقيق أهدافه، وتسخره في نفس الوقت لتحقيق أهدافها، وبخاصة أنه كما ذكر عن نفسه (لا يصلح للولاية وليس من الوزراء ولا من الأمراء ولا من أكابر الدولة)" ، ويكفينا أن نعرف أن محمد على كان أميا كما ذكر الدكتور سيد العفانى فى موسوعته أعلام وأقزام .

كان المدخل الرئيس لعقول المصريين هو التعليم ، فقد شجع محمد على على التعليم وافتتح مدارس مدنية تسير بموازاة النظام التعليمى للأزهر وميزها عنه ، وافق على انشاء مدارس للجنسيات الأجنبية فى مصر ، وحد شكل الدراسة فى مصر بشكل انضباطى كما اورد تيموثى ميتشل فى كتابه استعمار مصر ، حيث أصبح التلميذ محاصرا بزى معين وطابور معين وفصل معين ومنهج معين ، بشكل أشبه بالجيش منه إلى التعليم ، انتشرت المؤتمرات التبشيرية فى عهد أسرته كما لم يحدث من قبل فى تاريخ مصر ، أرسل الشباب الصغار فى بعثات لنهل العلوم من بلاد أوروبا وخاصة من فرنسا التى كانت تربطه بها علاقة حميمة ، فعاد هؤلاء الشباب الحالمون من بلاد الغرب محملون بأحلام ثائرة لتغيير واقع بلادهم المتخلف ، آملين أن يحولوها يوما لقطعة من أوروبا كما كان يخطط محمد على ، ومن هنا بدأ التغريب إلى يومنا هذا ، إلا أن رقعة المغتربين فكريا قد اتسعت فى عالمنا لتشمل المنطقة العربية و الاسلامية كلها ، ولم تعد حكرا على طبقة المثقفين فى المجتمع بل نالت من كل الطبقات وعلى كل المستويات والمهن .

من هنا بدأ تغيير الهوية المصرية ، ومع الوقت أنتجت تلك الأجيال جيلا شابا رائعا ، بائسا ، ضعيفا ، متوحدا ، صادقا ، ثائرا ، لا مباليا أحيانا ، مختلفا ، عنيدا ، يريد حياة كتلك التى شاهدها على شبكات الانترنت ، له براءة مسلسلات الكارتون التى قضى أمامها الساعات الطوال حين حولوا حياة والديه جحيما ، فلم يفطنوا إلى ذلك المربي الخفى الذى يعبث بروح ابنهم ، شب فتلقفته الثقافة الأجنبية من افلام وبرامج ومعلومات ومقاطع مصورة . تزامن مع ذلك صعود شباب منهم يتحدثون عن امكانية تحقيق الحلم المستحيل ، وارب لهم الشيطان الباب ، وتركهم يجتمعون فى ميدان ويصرخون مطالبين بأبسط حقوقهم "عيش_حرية_عدالة اجتماعية" . هم لا يعلمون عن الثورات سوى ما قرؤه فى كتب صدرتها لهم تلك الأيدى التى برمجت عقولهم ، ما يعرفونه عن تاريخ بلادهم والمنطقة لا يخرج عن الخط المرسوم لهم ، يشعرون بغربة وبأنهم لا ينتمون إلى هذا العالم الثالث البغيض ، يرفضون أى نظرية تخالف ما جبلوهم عليه ، يدافعون عن مبادئ نظريات وضعها الغرب ويرفضون أن يعترفوا بالتبعية له ، صدقوا الأكاذيب التى نسجت حول عدو وهمى منهم كان يدافع عنهم فى الميدان لأن تلك الأكاذيب ماهى إلا امتداد لثقافتهم المعادية لجذورهم العقدية التى صاروا يخجلون من الحديث عنها ، فعادوا من حيث أتوا ليدخلوا واقع يضيق عليهم كل يوم .

من أبشع ما قد يواجهه مجتمع أن يتغرب عنه أبناؤه ، أن يرفضوه ، أن يحاولوا مسخه ليتحول لكيان آخر لا يعرف نفسه . نجح المستعمر فى أن يضع جنوده فى قلوبهم وأن يحكم متاريسه على عقولهم ، وأن يصبح عينهم التى يرون بها ، ولسانهم الذى يتحدثون به ، ويدهم التى يبطشون بها ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.