المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

عدتَ يا يوم ثورتي

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-28-1485594739-1842547-825jan201128jan201111feb2011.jpg

في مثل هذا الوقت من كل عام، نحيي ذكرى أمل نبت فى أرض قاحلة، رغبة في الخروج من عنق زجاجة طالت؛ حتى بتنا لا نعرف أهو عنق زجاجة أم نفق مظلم؟ محاولة فك حزام فقر وجهل ومرض، إحساس بطعم حرية كانت لذة للشاربين، مرور نسمات موج بحر عزة على وجوه طال انكسار عيونها، إنها ذكرى الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني.

بالرغم من أني لم أستطِع أن أحلم وقتها كما حلم الناس، ولم أستطِع تصديق ما يجري دون إعمال قلب وعقل، فإنني سعدت بها كما سعد الجميع، وتابعتها تكبر كوليد لا أرغب أن أغفل عن أي لحظة مميزة في تاريخه، فبت أراقبه يتقلب، ثم يجلس، ثم يحبو، حتى إذا ما وقف وقارب على الفطام، ذبحه من نصب نفسه خضراً، فقتل الغلام مدعياً وحياً من الله بأنه ينبئه أنه سيرهق أبويه المؤمنين طغياناً وكفراً.

ما يزعجني حقاً أننا لا نفكر أبداً خارج الصندوق، لا نحطم صنماً، لا نعيد إثبات مسلّمات، لا نريد أن نستيقظ من حلم، ونبحث دائماً عن كل سبب لا يعرضنا لخطر الاصطدام بالحقيقة!

ما أطلبه أن نعيد البحث والتفكير فى أحداث التاريخ، نعيد ترسيم الخطوط، نعيد التقييم فى ظل ثورة معلوماتية كبيرة إذا ما أردنا ثورة على فساد؛ لنعرف أين نقف؟ وأي اتجاه نسلك؟!

فنحن مثلاً ننظر لحركة عرابي كثورة، هذه إحدى المسلمات التي لا نريد حتى أن نفكر خلافها، أتساءل: لمَ لا ننظر إليها كانقلاب عسكري داخلي في الجيش مثلاً؟ لمَ لمْ نصنفها سبباً في دخول القوات الإنكليزية؟ لمَ تقبّل عقلنا بمنتهى البساطة خيانة الخديو توفيق؟

في حركة يوليو/تموز، اعتبرنا ما حدث ثورة شعبية عارمة، وصدقنا كل نقيصة فى حق الخديو فاروق الأول دون بحث وتمحيص، بل ولم نعتبر ما حدث فى حق محمد نجيب انقلاباً!

وما زال منا - حتى من أبناء ثورة يناير- من يرى عبد الناصر (كاريزما) العصر وكل عصر!
ومنا من نحت لنصر أكتوبر صنماً وبنى له معبداً علق على بابه لافتة كتب عليها "ممنوع الاقتراب أو التصوير"!

وهكذا نفعل اليوم بثورة يناير، نعظمها ونفخمها وننزهها عن كل نقص، فهي الثورة المفاجئة الشعبية الخالية من الخونة البريئة الطاهرة! فلا ثورة قبلها ولا يمكن صنع أخرى بعدها!
وهكذا ظهر من الثوار من يغني كما أم كلثوم (أغداً أصطف)، وأفضلهم حالاً يغني (ظلمنا الثورة)، ولا يدركون أحياناً أنه (فات الميعاد)!

منذ عام كتبت مقالاً بعنوان (ترى هل كانت ثورة؟)، أردت فيه أن أراجع بعض مسلمات ثورة يناير التي كلما تغنينا بها لا تزيدنا إلا إحباطاً وتشويهاً للحقائق وضياعاً للطريق!

قالوا عنها مفاجئة، وقد تمت الدعوة إليها بشكل مسبق على صفحات التواصل الاجتماعي!
قالوا إنها كانت هبة شعبية عارمة ضد الفساد، وتجاهلوا أن هذا العدد لم يكن لينزل إلى الميدان لولا استفزاز الطرف الثالث المجهول سابقاً والمعلوم حالياً، والدليل أن لا فساد أكثر مما نعيشه اليوم!
قالوا إنه لا أحد كان يستطيع فضها، وحدث أن تم فض الميدان بالقوة عدة مرات في أوقات كانت فيها الأعداد قليلة، واحتل فيها الجيش الميدان!

قالوا إن النوايا كانت صافية تنبع من قلوب ما اجتمعت إلا على حب الوطن، ورأينا قلوباً هي كالحجارة أو أشد قسوة، اجتمعت ولكن على القضاء على رفاق في السابق واليوم على اصطفاف فوق جثث!
قالوا إنها مصرية خالصة خالية من العمالة والخيانة، في وقت لا يقبل فيه العقل أبداً أن تقوم ثورات فى خمس دول في وقت واحد من باب المصادفة! كما أنه لا يعقل أن نتجاهل خطط تقسيم الشرق الأوسط التي ما عادت تكهنات وصارت أمراً واقعاً!
قالوا إنها شبابية خالصة، مع أن كل الشباب الذين قامت على أكتافهم الثورة كانت تتبع خطاهم خطوطاً رسمها كبارهم، وأكثرهم تبعية هم من نفوا عن أنفسهم ذلك.

قالوا عنها إنها كانت عظيمة؛ لأنها كانت لا رأس لها، وهم بذلك ينفون أهم مكون من مكونات أي ثورة!

قالوا عنها إن أحد أطرافها الثورية قد وضع يده فى يد العسكر طامعاً، بينما كان خلف الكواليس مصافحات وحديث وكلام لطرف آخر وقف يلعن شريكه طوال الوقت!

قالوا إن فريقاً حمل لواء ثورتها وآخر كان إصلاحياً، إلى أن أثبتت الأيام أن الإصلاحي فرمته جنازير دبابة ووارته حيطان سجن وحبست في زنزانته صرخات عذاب، بينما الثوري اكتفى بصيحات ومظاهرات سلمية ووقفات احتجاجية، إذا أمن الخوف!

قالوا إنها ضد العنصرية وفوجئنا بمن أطلقوا عليه أباها الروحي ومخلصها، يتحدث عن دستور لا نساء في لجنة واضعيه ولا فلاحين حتى لا يخرج مشوهاً!

ما أقوله ليس هدماً لجمال وبريق الثورة، ما أحكيه هو نداء لكل من يرفض قهراً، ظلماً، لكل من يمني نفسه بثورة، ولكل من يرى أن لا ثورة سوى يناير، وأنها المرجع والمنجى والملاذ الأخير؛ يناير ليست بدراً رفع عنها وعن محاربيها القلم، يناير حرب شريفة كما كانت أكتوبر، جنودها الشجعان الذين لم يجبنوا ولم يستكينوا نضعهم على الرؤوس، أما من باع وخان فلا مكان له إلا تحت الأرجل مهما بلغ بريقه، ولو نال نوبل للحرب والسلام.

الثورة ليست أغنية قديمة نسمعها ساعة عصاري، وليست أطلال محبوب نبكيها ، وليست معجزة كشق القمر لا تتكرر ؛ إنها عمل بشري، إذا ما صنع على العين بيد خبيرة، فسيتحول إلى تحفة نادرة تزداد قيمتها عبر الزمن.

فيا من تأملون في ثورة مصطفة أو اصطفاف ثائر، كفاكم لعباً بمفاهيم، وتمييع حقائق، ورفع خائن والحط من قدر شريف، كفاكم خلطاً للأوراق، وتضليلاً للناس، وإعمالاً لأهواء، كفاكم استثماراً لجهود غيركم، ومطالبة بتنازل صاحب حق، وغسل أيد من ذنب.

حطموا أصنام يناير إن أردتم خلاصاً، أبرزوا كل جميل، ذكروا بكل لحظة صادقة، عظموا كل قطرة دم طاهرة، ألم تكفينا كذبات تاريخ قديم حتى نبث بدورنا أكذوبات جديدة!

مع قناعتي الراسخة أن لا شعب يقوم بثورة من تلقاء نفسه، إلا أني حقاً أتمنى أن أنتمي لشعب لا يقبل أن يعيش في مثل مستنقع كهذا لمجرد أن طرفاً رأى في نفسه أنه الأحق بالقيادة، وأنه الراعي الرسمي للتغيير، فلم يرض إلا بعد أن هدم البناء أملاً في أن يحصد أطماعاً، وحين خسر ، عاد يبكي معبداً وصنماً، وينادي قوماً ينزفون هم من بقوا على قيد الانتظار!

عندما حسبت كم من السنوات مرت على ثورة يناير، لم أرد أن أصدق، فعدت أعد على أصابع يدي لأتأكد، فوجدت أنها بالفعل ست سنوات.

إنها سنوات الاستنزاف الست، أما آن لنا أن نصنع نصراً أكتوبرياً دون ثغرة ودون خيانة؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.