المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

نجيب ومرسي.. تاريخ يُعيد نفسَه

تم النشر: تم التحديث:

2017-11-17-1510939709-428157-.jpg

في 14 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1954 قام مجلس قيادة "حركة" يوليو/تموز بعزل "محمد نجيب"، أول رئيس لجمهورية مصر العربية ووضعه تحت الإقامة الجبرية بقصر زينب الوكيل، حرم مصطفى النحاس باشا، بعيداً عن الحياة السياسية لمدة 30 عاماً.

شطبوا اسمه من كتب التاريخ ومن الكتب المدرسية، حتى إن كثيراً من المصريين نسوا أنه لا يزال على قيد الحياة حتى فوجئوا بوفاته.

منعوه تماماً من الخروج أو مقابلة أي شخص من خارج نطاق أسرته، حتى إنه ظل لسنوات عديدة يغسل ملابسه بنفسه، سارع الضباط والعساكر بقطف ثمار البرتقال واليوسفي من الحديقة، وحملوا من داخل الفيلا كل ما بها من أثاث وسجاجيد ولوحات وتحف وتركوها عارية الأرض والجدران.

كان ممنوعاً عليه لسنوات طويلة أن يستقبل أحداً ثم سمحوا له بذلك، لكن على شرط أن يجلس معه ضابط ليسجل كل ما يقال، وكانت إحدى نقاط الحراسة تقع على السطح، وكان لا بد للجنود والضباط ليصلوا إليها أن يمروا بحجرة نومه، كان من الطبيعي ومن المعتاد أن يفزع الجنود أفراد أسرته بإطلاق الرصاص في الهواء في الفجر وفي أي وقت يتصورون فيه أنه مناسب لراحتهم.

كان الابن الأكبر لنجيب "علي" يدرس في ألمانيا، وكان له نشاط واسع ضد اليهود، طاردته سيارة وحشرته بينها وبين الحائط، نزل منها ثلاثة رجال ضربوه وتركوه ينزف حتى الموت، طلب نجيب أن يخرج من معتقله ليستقبل نعش ابنه ويشارك في دفنه، لكنهم رفضوا، كان هذا في عام 1968.

ولم يسلم فاروق -الابن الثاني لنجيب من نفس المصير- فقد استفزه أحد المخبرين الذين كانوا يتابعونه، وقال له: ماذا فعل أبوك للثورة، لم يكن أكثر من خيال مآتة؟ فلم يتحمل فاروق هذا الكلام وضرب المخبر ودخل ليمان طره، وبقي هناك خمسة أشهر ونصف الشهر، خرج بعدها محطَّماً منهاراً ومريضاً بالقلب، وبعد فترة قليلة مات.

أما ابنه الثالث يوسف، رغم بُعده عن النشاط العام، وبعد أن تخرج في معهد العلوم اللاسلكية اشتغل في إحدى شركات الدولة، فافتعل أحد أقارب شمس بدران مشاجرة معه، انتهت بإصدار قرار جمهوري بالتخلص منه، ولم يجد يوسف ما يفعل سوى أن يعمل في شركة "المقاولون العرب" سائقاً في الصباح، وعلى تاكسي اشتراه بالتقسيط في المساء.

اشترك كل من محمد نجيب ومحمد مرسي في أنهما عملا في منصب رئيس الجمهورية بعد ثورة لمدة عام واحد، حلما أن يطهرا الجيش ومؤسسات البلاد من الفساد، وأن يؤسسا لحكومة مدنية وحياة برلمانية، كانا واجهة نظيفة لثورة آمنا بها من أجل مصر، رفضا أن يكونا مجرد ستار يختبئ خلفه الفسدة، فكان ما كان من انقلاب عليهما.

اليوم يصرخ رئيس مصر المختطف "محمد مرسي" من محبسه؛ ليخبرنا أن حياته في خطر، وأن هناك جرائم تمارس ضده، وأن حقوقه تنتهك، ولا آذان ولا شعور ولا إنسانية ولا حياة لمن تنادي.

ذلك العالم الذي ينادى عليه الرئيس هو نفس العالم الذي نادى عليه نجيب، إلا أن أبناء الجيش يذلون بشكل أكثر تهذيباً من المدنيين كما كان حال مبارك إثر الانقلاب عليه.

وفقاً لبيان نشرته أسرة "محمد مرسي": "الرئيس ومنذ اختطافه بالقوة في 3 يوليو/تموز 2013 في انقلاب عسكري مكتمل الأركان معزول عن العالم تماماً وكلياً، تم احتجازه في قاعدة عسكرية لمدة أربعة شهور، ثم كان ظهوره الأول في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 في أولى جلسات محاكماته، ولَم يسمح لأسرته بزيارته سوى مرتين خلال أربعة أعوام، كانت الزيارة الأولى لمدة ساعة، ثم منعت الزيارة لمدة ثلاث سنوات ونصف، وكانت الزيارة الثانية لمدة نصف ساعة، وفريق دفاعه القانوني ممنوع من لقائه منذ يناير/كانون الثاني 2014، منعـت عنه الصحف الإخبارية، والكتب وإدخال المتعلقات الشخصية، فضلاً عن الإهمال الطبي المتعمد، الذي يتلخص في عدة وقائع:

* في يوم 8 أغسطس/آب 2015 اشتكى الرئيس لهيئة المحكمة مخاطباً دفاعه كونه في قفص زجاجي عازل للصوت، من تقديم وجبة طعام له لو تناولها كانت أدت إلى جريمة.

* فِي يوم 6 مايو/أيار 2017 تحدث الرئيس مجدداً لهيئة المحكمة مخاطباً هيئة دفاعه من تعرض حياته إلى الخطر، وأنه يريد أن يلتقي بهيئة دفاعه ليروي لهم تفاصيل تلك الجرائم لاتخاذ اللازم معها.

* في يوم 7 يونيو/حزيران 2017 الرئيس تحدث لهيئة المحكمة مخاطباً الدفاع مجدداً عن تعرضه لغيبوبتَي سكر كاملتين داخل مقر احتجازه ولَم يعرض على طبيب وأنه يطلب نقله إلى مركز طبي خاص على نفقته الشخصية لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة.

* لم يسمح لأبنائه الرجال بزيارته، ولكن سمح فقط لزوجته وابنته، اللتين أبلغهما فيها أنه ومنذ عام يطلب تغيير نظّارته الطبية ولكن الفريق الأمني المصاحب لم يستجِب لهذا الطلب.

* في يوليو/تموز 2017 طلب إحضار دواء الإنسولين الخاص به وجهاز قياس نسبة السكر بالدم، ولكن الجهات الأمنية رفضت إدخالها له.

إنه نوع من القتل العمد الممنهج البطيء، يمارسه نظام مجرم، بدأه بأول ضحية إهمال طبي "الدكتور صفوت خليل خليل" في 2013، وكانت آخر ضحية هو "محمد مهدي عاكف" المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين؛ ليرتفع عدد القتلى داخل مقار الاحتجاز إلى 617 شخصاً، بحسب المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

أما عن أبنائه، فقد لفّقت للأصغر قضية حيازة مواد مخدرة، وتم الحكم على نجله "أسامة" بالحبس ثلاث سنوات لحيازته سلاحاً أبيض برغم أنه تم القبض عليه من منزله دون مقاومة! أسامة محبوس كأبيه وكما قصّ علينا باسم عودة وزير الفقراء في محاكمته ببالغ الألم، منفرداً، محاصراً، لا يرى أهله، يأكل وحده، ينام وحده، يصلي وحده، يفطر رمضان وحده.

أن يعيد التاريخ نفسه فهي سُنة الحياة، أما أن يعيد البشر دناءاتهم، فهذا أمر فيه نظر.

نحن اليوم لسنا بصدد تكرار للتاريخ، إننا ننحدر إلى مرحلة لا أدري كيف ستخطّ في الكتب، أم أنها ستصاغ كما صيغ كذب الأمس؟

لدينا اليوم في مصر ثلاثة فرق؛ فريق بائس مؤيد للشرعية منقسم على نفسه، وفريق منقلب على مبادئه مدّع للثورية يستثمر الدفاع عن المعتقلين، ولئن سألته عن مرسي لا تسمع له صوتاً، وفريق قال أقتل هذه المرة ثم أتوب وأعيش منعماً، ولا يدرك هذا الأخير أن الجرائم لا تسقط، والحقائق لا تُطمس، والدماء لا تجفّ، والكذب لا يصير حقيقة، والضلال ظله أسود، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.