المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

خسوف مؤقت

تم النشر: تم التحديث:

2017-06-07-1496804102-8334169-1415597976424.jpg

يوم الإثنين الماضي حدثت ظاهرة كونية نادراً ما تحدث، فقد تعامد شعاع شمس نصر العاشر من رمضان على وجه نكسة الخامس من يونيو/حزيران 1967 ووقع قمر الدوحة معهما على نفس امتداد الخط فحدث الخسوف؛ لنشهد نكسة للعرب في الخامس من يونيو 2017.

أراد عبد الناصر ذات سنة بعد أن مُني بخسائر في الأنفس والأموال والعدة والعتاد باليمن إثر تحد قام بينه وبين الملك فيصل؛ ليقتنص كل منهما منصب رئيس فصل بمدرسة المشاغبين أن يغطي على تلك الخسارات فتعلل بإشاعات أثيرت حول نية الكيان الإسرائيلي الهجوم على مواقع بمصر وسوريا، وهنا أعاد جمال جيشه إلى مصر؛ حيث لم يكن يستطيع أحد أن يسائله، فقد رفع الرجل راية الحرب المقدسة ضد العدو الغاشم، وهو مهلهل الجيوش، مرقع الجيوب، مهتك العقيدة، فكانت النهاية الطبيعية أن هزمت ثلاثة جيوش عربية أمام قزم لو بصق العرب عليه لأغرقوه.

ضاعت سيناء وفلسطين والجولان ولا أبالغ إن قلت وضاع معهم العرب، ومع ذلك تعالت الهتافات: "يا جمال.. إحنا معاك.. إحنا الشعب واخترناك"!

مات جمال وجاء السادات، وما كان أمامه ليصنع من نفسه رئيساً سوى أن يخوض حرب استنزاف، ومن بعدها حرب استرداد، استجابة لهتافات جديدة: "يا سادات يا سادات.. سينا عايزة الدبابات"، أخرج الإخوان من السجون فصار رئيساً مؤمناً، وصنع الله في عهده نصراً فأتبعه هو بمعاهدة نكسة، فصار بطلاً للحرب والسلام.

تقول إسرائيل اليوم في ذكرى نكسة 67 إنهم كانوا على وشك تفجير قنبلة ذرية في سيناء، إذا ما انتصرت مصر، ولكن عندما حدثت الهزيمة لم يحتاجوا لذلك.

وأتعجب لم إذاً لم يسقطوها على المصريين في حرب أكتوبر/تشرين الأول؟! فأمر كهذا له احتمالان لا ثالث لهما، إما أنه لم تكن هناك قنبلة، أو أن هناك مَن يسر له ما لا يجعله في حاجة لإسقاطها!

كانت حرب أكتوبر 1975 حلماً صدقه رجال أطهار، ضحوا بالدم الغالي، كما فعل رجال ثورة يناير/كانون الثاني 2011، آمن الشعب في المناسبتين بالحلم ودعمه وحبس من أجله الأنفاس، وطار بنصره سعادة وطرباً ونشوة جوعاً لكرامة مسلوبة ورأس مرفوعة، وكلمة مسموعة، ولكن بعد حين تحول الحلم إلى كابوس في نكستين أسوأ من نكسة 67، على يد قيادات نفس الجيش الذي أحرز نصر أكتوبر ودعم ثورة يناير.

رأينا الشاذلي ينصح القيادات بألا يتوغلوا في سيناء، وأن لا مبرر للمجازفة بتحريرها بالكامل، فلا طاقة للجيش بذلك، وأن خطة المآذن العالية هي خطوة أولى للتحرير، ستليها خطوات أكثر أمناً، فيتجاهلون مقترحه؛ لتأتي الأوامر بالتوغل لتحرير سيناء بالكامل دون سبب مقنع، فيتسببون في ثغرة دفرسوار، وتتوالى الأخطاء؛ لتكتمل معالم الكارثة في صورة معاهدة كامب ديفيد 1978، التي تمنح المصريين حق التهليل والرقص على أنغام "سينا رجعت كاملة لينا"، وتمنح الكيان حق التحرك الكامل فيها، في وجود قوات دولية تحميها وتؤسس لتطبيع خفي ومعلن على كافة الأصعدة مع "الكيان العدو".

وبالمثل يأتي انقلاب قيادات الجيش بعد انتصار ثورة يناير، ويمحق أول تجربة ديمقراطية وليدة كانت خطوة أولى على طريق الكرامة، سيترتب عليها تطورات أكثر حرية وأكثر حداثة، ولكنهم أيضاً يأبون إلا أن يحدثوا ثغرة في صفوف الثوار؛ ليكون انقلاب 2013، ولكن هذه المرة كان الانهيار هو الأسوأ على الإطلاق، فلأن يهزمك عدو فتداوي جراحك وتهب منتصباً لتستعيد كيانك لهو أمر هين، أما أن تسحق داخل بيتك بأيدي أهلك ومن لم يدر بخاطرك يوماً أنهم لن يمانعوا في سحق عظامك ونثرها؛ ليمهدوا بها طريق ملكهم في حفل سادي عظيم، يتراقصون فيه كأسوأ كابوس تحاول أن تستيقظ منه فلا تستطيع، فإن استخدام كلمة نكسة حينها يعد لطيفاً جداً، فذلك أقل ما يوصف به أنه طامة كبرى.

وبرغم كل ذلك كان سطوع شمس أكتوبر ويناير من أجمل ما قد ترى العين، فلكأنك تطير في الفضاء بين نجوم تلمع بالضياء، وكواكب تزهو بأجمل الألوان.

إن هذا السطوع الكبير حين يسقط على أرض فساد يظهر حجم الخيانات والهزائم والنكسات، وحين يسقط على أقمار فإنها تعكس أجمل ما فيها ومن فيها، فإذا ما وقفت تلك الأرض في مسار أشعة هذه الشمس، يحدث خسوف مؤقت لذاك القمر، وهذا ما جرى.

قطر، تلك الدولة الصغيرة على شاطئ الخليج العربي التي أعلنت الإمارات والسعودية والبحرين ومعها مصر قطع علاقتها بها براً وبحراً وجواً، بحجة اتصال قطر بإيران والكيان الصهيوني، اللذين تربط هذه الدول نفسها بهما علاقات اقتصادية وسياسية قوية مشتركة.

رموها بالإرهاب وأنها تؤوي إرهابيين -إشارة إلى إخوان مصر- وقد أثبتت تسريبات يوسف العتيبة، السفير الإماراتي لدى واشنطن، أنهم يحاولون إقناع أميركا بأنها دولة داعمة للإرهاب، وربما يجب أن تغير على أثر ذلك أميركا مكان قاعدتها الجوية في قطر.

والعجب حقاً أن تتهم السعودية بالذات قطر بهذا الاتهام، ألم تكن السعودية منذ شهور على شفا أن تسحب أصول أموالها من أميركا على خلفية قانون 11/9؟! ويبدو أن اتهامهم لها بأنها تسعى لزعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة في المنطقة عبر قناتها "الجزيرة" كان بسبب تلك التسريبات وما حملته من حديث حول إنجاح محمد بن سلمان!

وعلى ذكر تلك التسريبات فقد دعا السفير أميركا إلى عدم اعتبار ما حدث في مصر انقلاباً.. أتعلمون! لم أتوقع قبل ثورة يناير أن تكون السعودية والإمارات بالذات بهذه القسوة، بالضبط كما لم يتخيل الشاويش خميس أن المعلم بيومي هو رئيس العصابة في فيلم "رصيف نمرة خمسة"، وأكاد أقول: "أُمال سبحتك فين يا معلم.. أصلي لمّتهالك"!

كل ما أطلقه المقاطعون من شائعات لا علاقة له بما أضمروه من عداء لقطر، فالسبب الحقيقي هو أن قطر دعمت ثورات الربيع العربي منذ أول لحظة طامحة أن تحجز مقعداً لها في محور قوى يضم أنظمة ديمقراطية وليدة في المنطقة، وذلك أمر عادل بالنسبة لها، فالوقوف في صف شعوب مقهورة ترزح تحت وطأة تجويع وإفقار وإمراض متعمد لأمر مشروع، ولكنه لم يكن كذلك من وجهة نظر رؤساء وأمراء وملوك لا يرون أنفسهم إلا من منظور فرعون "أنا ربكم الأعلى" و"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وعليه صارت شعوبهم صغيرة على الديمقراطية، وصار الثوار خونة إرهابيين، وبالتالي يكون كل مَن يدعمهم في العالم يغنّي خارج سربهم.

لا يخفى على طفل صغير أن هناك أضواء خضراء منحتها الأسرة المقدسة الأميركية التي شاركت في قمة إسلامية تذكرك بخطاب بابا الكنيسة الذي أذيع في مصر على موجات إذاعة القرآن الكريم! فالرئيس الأميركي، رجل الأعمال، منح بعض الإيماءات في مقابل صفقة احتفل بنتائجها في تغريدة له على حسابه في "تويتر"، حين قال إنه عاد إلى شعبه محملاً ببلايين الدولارات، وهو ما يعني وظائف وظائف وظائف.

ما لا يدركه المقاطعون أن ما يحتفلون به اليوم من انتصار بفضل رجل البيت الأبيض، قد يجعل منهم جزءاً من صفقته القادمة مع مَن ظنوا أنهم قد تخلصوا منه.

ما لا يريدون فهمه أنهم طبق رئيسي على طاولة الشرق الأوسط الجديد وليسوا ضيوفاً.

ولا أدري كيف يكون طعم احتفال يكون حبة كرز كعكته تغريدة لسفير الكيان الصهيوني السابق لدى الولايات المتحدة يقول فيها "هناك خط جديد يرسم في رمال الشرق الأوسط، لم يعد هناك عداء بين إسرائيل والعرب، ولكن العداء أصبح بين إسرائيل والعرب ضد قطر التي تمول الإرهاب"!

عندما تتطابق أقوالك وتتسق أهدافك وتشترك خطواتك مع عدوك، فاعلم أن هناك خطباً جللاً، فإما أن تنتبه وترجع، وإما فلتعلم أن ذلك العدو الذي طالما شجبته وجلجل صوتك أن لا تراجع ولا استسلام أمامه، وأن تخطيه حدودك دونه الرقاب، ما هو في الحقيقة إلا أنت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.