المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رانيا مصطفى Headshot

مصر 30 يونيو واسترداد الهوية

تم النشر: تم التحديث:

2017-05-30-1496182124-578059-9821.jpg


عندما قامت ثورة 30 يونيو/حزيران المجيدة، كان أبرز شعاراتها التي رفعت هو" استعادة هوية مصر"!

استوقفني هذا الشعار كثيراً، وأردت أن أحدد أطر تلك الهوية التي أرادوا استردادها!

فعدت إلى دستور مصر لعلّي أهتدي إلى هويتها، فوجدت المادة الثانية للدستور، ذلك الخط الأحمر الذي كادت أن تضيع من أجله الرقاب، ونزلت من أجله المليونيات، وضجّت من أجله الحناجر، ووجد فيه من لم يستسيغوا جلوس مرسي على كرسي الحكم من البداية ملاذاً وحجةً بالغة الإحكام لخلعه حين قالوا: "لو كان طبّقها ما كان جرى له ما جرى"..

نظرت في الدستور فوجدت المادة قابعة في مكانها لم تبرحه "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

إذاً فهذه هي الهوية! لن أجادل في فكرة أنه طالما أن هذه هوية الدولة المعترف بها، فكيف أن الشعب أزال حكم أول رئيس ينتمي لفصيل إسلامي يفترض أنه الأقرب للحفاظ على هذه الهوية!

فمحور حديثي اليوم سيكون عما تلا الانقلاب من علامات لاسترداد تلك الهوية المفترضة التي برزت في:

رئيس الدولة الذي خاطب شيخ الأزهر قائلاً: "تعبتني يا فضيلة الإمام"، في خضم حديثه عن مطالبة بفتوى تمنع وقوع الطلاق الشفهي!

أزهر يدافع عن نفسه، وكأن "على رأسه بطحة"؛ ليؤكد في كل مناسبة أنه لا يرعى الإرهاب ولا الإرهابيين، وأن الدين الإسلامي دين سلام ووسطية؛ ليتخلص من اتهامات توجه له من كل حدب وصوب بأنه "مفرخة" للإرهاب في مصر.

ابتسامة تملأ وجه رئيس الدولة في كل عيد يزور فيه الكنائس تقابلها كشرة وحديث لا متناه عن الإرهاب في كل مناسبة دينية للمسلمين وترسيخ لفكرة أن المسلمين هم مَن أتعبوا العالم، وأنهم هم مصدر القتل والكراهية، داعياً أكبر مؤسسة إسلامية وسطية في الدولة، بل وفي العالم إلى انتهاج منحى أكثر اعتدالاً!

أصبحت خطب يوم الجمعة موحدة على مستوى الجمهورية ومن يخرج عن النص يتعرض للمساءلة، في حين أنه لا أحد يجرؤ على محاسبة كاهن أو قسيس في كنيسة على ما يقول!

عندما تتعرض المساجد للتفجير لا تأخذ نفس الاهتمام الذي تلقاه الكنائس في حال مشابه، ولا نجد مَن يخرج على المواطنين ليطمئنهم أنه قد تم القبض على مفجر الجامع، وينبئهم باسمه "السباعي"، كما أن المسجد لا يحاط شهوراً بحواجز تمنع المارة من سلوك أهم طرق المحافظات وأكثرها حيويةً كما تحاط الكنائس، شأنها في ذلك شأن مديريات الأمن ومؤسسات الجيش والشرطة.

لأول مرة في تاريخ الإذاعة تحمل لنا موجات إذاعة القرآن الكريم صوت بابا الكنيسة المصرية في مؤتمر للدعوة للسلام دون داعٍ لذلك ودون مراعاة لمشاعر المسلمين!

تفتيش دائم للمساجد ومراقبة المصلين في حين لا يستطيع كائناً مَن كان أن يقترب من الكنائس والكاتدرائيات إلا بغرض الحماية!

الكشف عن تمويل أي مؤسسة أو جمعية إسلامية والتمحيص فيه وتأميمه إذا شك ولاة الأمور في المصادر، في حين أن مصادر تمويل الكنائس هي أسرار حربية لا يعلمها إلا رؤوس الكنيسة فقط!

شيخ يمنع من اعتلاء المنابر ويتبرأ منه الأزهر ووزارة الأوقاف؛ لأنه قال إن النصارى في الإسلام قد كفروا، ولم ينظر أحد إلى سياق كلامه، إرضاء لشركاء الوطن!

يخرج علينا أحد الكتاب ليسب صلاح الدين وقطز والظاهر بيبرس وينعتهم بالحقيرين في برنامج من أعلى البرامج مشاهدة في مصر!

رئيس أكبر جامعة في مصر يلغي زوايا الصلاة ويقول إن منظر الطلاب وهم يصلون غير لائق، وتعلل لوفد إسباني بأن "عندنا أستاذ مات وبنصلي عليه"!

كما أصدر رئيس نفس الجامعة من قبل قراراً بمنع المنتقبات من التدريس بالجامعة بحجة أن النقاب يمنع التواصل بين المعلم والطالب!

نهر يجري من المسلسلات والبرامج في رمضان التي تحمل اللامعقول من العري بما لا يتفق وعادات وأخلاق و"هوية" هذا البلد، يشوق إليها الناس صباح مساء بإعلانات ضخمة في التليفزيون وفي برامج الإذاعة، وعلى أهم الطرق بالمحافظات!

منع مكبرات الصوت في المساجد أثناء صلاة التراويح بحجة عدم إزعاج المرضى وطلبة الثانوية العامة؟ ما أعاد لذاكرتي إلغاء قراءة القرآن في مكبرات الصوت قبل كل صلاة منذ أعوام بحجة أنها بدعة، وأنها تؤذي مشاعر شركاء الوطن!! ترى متى سيمنعون مكبر الصوت في صلاة الجمعة؟ وهل الحل في إلغاء مكبرات الصوت أم في تقنين أوضاعها؟!

تصريح وزير الشؤون الدينية في بلد من أعرق البلاد الإسلامية أن لا صلاة تهجد ولا اعتكاف في شهر رمضان دون تصريح!

تغلق المساجد في مصر عقب كل صلاة، مصر بلد الأزهر التي بها قاهرة الألف مئذنة، تخيلوا!

كان هذا غيضاً من فيض، وسؤالي هنا بناء على ما تقدم، ما الهوية التي أرادوا الحفاظ عليها إذاً؟ وما هو مفهوم الهوية؟

أرى أننا قد صرنا أقرب للأمركة من العروبة، فمنا الفراعنة ومنا العرب ومنا الهكسوس ومنا اليونان ومنا الإنكليز ومنا الأتراك ومنا الفرنساويون، كل احتلال ترك فينا بصمته، فعلى أي بصمة نريد أن نحافظ؟!

فما الهوية إلا عناصر مشتركة تجمع الناس على سمات مشتركة، فكرية أو عقدية أو حتى عرفية، وهذا ما يتعارض كثيراً مع مثل دارج على ألسنة العامة يقول: "يا داخل مصر منك ألوف".

إن ما يريده الحكام لنا منذ ثورة 23 يوليو/تموز المجيدة "أيضاً"، أن نظل تائهين في بحر الحديث عن الوطن الذي لا نعرف له شطآناً نرسو عليها.

فحين نريد أن نتوه عن فشلنا الراهن نتحدث عن هويتنا الفرعونية وحضارة السبعة آلاف عام، وحين نريد أن نشرع لما ينافي ديننا، نتحدث عن سماحة الإسلام ومعانقة الهلال للصليب، وحين نريد أن نتوه عن جذورنا، نتحدث عن الحداثة والعلمانية كمخرج وحيد من التخلف، وحين نريد أن نؤصل لظلم نعود لهويتنا الإسلامية لنذكر الناس بفضل اتباع ولي الأمر وتحبيذ الصبر على القهر ومحبة الله للفقراء.

فشعبنا العظيم يرفض أن يحكمه مَن يعلمه الدين، ويأبى أن تحكمه العلمانية صراحة؛ لذلك كان الحل الذهبي يكمن في نظام حكم يحفظ القشرة الإسلامية ويبني من الداخل مستوطنات العلمانية، ثم يرفع سور الفصل العنصري بين طائفتيه المسيحية والمسلمة، والناس عن هذا لاهون، فلنتحلَّ بالصراحة ولنعلن أن ثورة يونيو/حزيران المجيدة ما قامت إلا للحفاظ على اللاهوية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.