المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنين رزق عيسى Headshot

كيف تؤثر عقدة النقص المعرفي على الشعوب؟

تم النشر: تم التحديث:

تعد ثقافة النقص المعرفي ميداناً واسعاً لممارسة الضبط الاجتماعي والسياسي، وقد عرفته مختلف الثقافات القديمة وسعت إلى تأسيسه تحت ألوان ومسميات فنية رمزية مختلفة منها الأساطير الشعبية، التي تتخذ من المبهم والمجهول الذي يراقب ومستعد للفتك والإيذاء، مادتها الأساسية، ومنها يستمد الراوي والمشعوذ والكاهن، قوته وهيبته، مع الأخذ في الاعتبار أن رموز الخوف تختلف من ثقافة إلى أخرى.

وتشتمل سياسة النقص المعرفي في الوضع الراهن على فكرة أساسية وهي:

نظرية المؤامرة، تعتمد نظريات المؤامرة دائماً على تبسيط الأحداث وتسطيحها وفق قالب نمطي واحد يصلح لتفسير كل شيء تقريباً، لتفادي جهد استقصاء الواقع المعقد وقلة توافر المعطيات الموضوعية.

وفي الحقيقة تعكس نظريات المؤامرة داخل الفرد أكثر من خارجه، إنها تعبر عن هواجس الجموع ومخاوفهم وتجسد ما يرغبون في أن يكون، لا ما هو موجود فعلاً.

كيف تؤثر عقدة النقص المعرفي على الشعوب؟

عقدة النقص المعرفي تجعل الخوف يتحكم بالإنسان المقهور، الخوف من السلطة، الخوف من فقدان القدرة على المجابهة، الخوف من أن تُفهم خطأ، والخوف من أن تُفسر كلمة أو عبارة بغير المعنى الذي أردت استخدامه والتوصل إليه، الخوف من شرور الآخر، مما يلقي به فيما يمكن تسميته بانعدام الكفاءة المعرفية، فهو يتجنب الوضعيات غير المألوفة، إذا خرج من دائرته الضيقة المحدودة، يشعر بانحسار الذات ويتجمد في الزاوية التي هو فيها مصاب بنوع من الشلل الوجودي، وتعمل الفئة المتسلطة إلى تغذية عقدة النقص والعجز لدى الجماهير، حتى تظل على تبعيتها، وحتى لا تتخذ المبادرة في تحديد مصيرها، ويقوم عادة كي يصل إلى هذه النتيجة، باستعراض قوته وأدواته التي يحيطها بنوع من الجبروت والتهديد المطلق، وليس هناك أمام الجماهير إلا القبول بالأمر الواقع .

ثلاث سياسات رئيسية تُفقد الشعوب المناعة ضد السلطة المطلقة:

فيلم Network 1976
سياسة التحكم بالعقول..
فيلم "نتورك" - الشبكة- إنتاج عام 1976، إلا أنه قد يكون الأفضل في إظهاره لتحكم الإعلام بالعقول، الفيلم يحكي عن قناة تلفزيونية قلت نسب المشاهدة بها، وحصول برامجها على جوائز، فكان قرارها بتغيير كل ما تقدمه وبث أفكار مختلفة ولو كانت قذرة.

ومن خلاله تشاهد كيف أن "المؤامرة" بالفعل تسيطر على أغلب وسائل الإعلام، لكنها ليست المؤامرة المبسطة التي تصل للناس بكون شخص واحد شرير متحكماً، إنها المؤامرة التي يشترك فيها عقلية ونفسية المشاهدين، المؤامرة المركبة التي لا يمكنك فيها تحديد مصدر الشر.

سياسة تصنيع الخوف

"ناعومي وولف" كاتبة أميركية ومؤلفة كتاب "نهاية أميركا" تقول، عن سياسة تصنيع الخوف:

"لا يمكن للطغاة نشر الخوف في صفوف الجماهير دون تجسيد هذا الخوف في صورة أعداء داخليين وخارجيين، عندما يخاف الناس فإنهم يكونون أكثر استعدادًا لقبول إجراءات تنتقص من (حرياتهم الشخصية)، بل حتى من مقومات حياتهم الأساسية".

وقد تكون الجهالة من سوء حظ الجماهير، حيث تسيطر عليهم "المخاوف" حتى تفقدهم الاتزان وتجعلهم كقطيع يفقد كل فرد فيه إدراكه واتزانه، ويتحرك مع الآخرين مدفوعاً بحركتهم، وعندئذ يسيرهم القائد المفوه فيسيرون وراءه ويرددون صيحته.

ويعد هذا النوع من سياسة الانتقاص المعرفي، عملت على تصنيعه في المجتمعات المعاصرة بطريقة مقصودة ومتأنية، مؤسسات كثيرة أهمها المؤسسة الإعلامية، كنوع من سياسة المتاجرة بالخوف والذعر.

سياسة الاستحواذ على الآخر..

تعمل منظمات الإعلام على جعلنا نعتقد أنها تنقل إلينا الأخبار بطريقة محايدة، إنها تعرض نفسها كما لو أنها نوافذ حقيقية على العالم، للأسف كل هذا ليس كما يبدو في الظاهر، فالاستحواذ السلبي كله يكمن في التفاصيل، عندئذ ندرك أن الإعلام ليس نافذة على العالم، بل هو رسم صورة للعالم.

وهكذا يصبح الجهاز الإعلامي جاهزًا تمامًا للاضطلاع بدور فعال وحاسم في العملية التضليلية.

ومن مظاهر التضليل الإعلامي:

التضليل بالانتقائية المتحيزة التي تنتقي بعض الكلمات والمصادر والاقتباسات وتتجاهل الأخرى.
التضليل بالتلاعب بالمعلومات وترتيب الحقائق بحيث تعطى معانى وانطباعات معينة مخالفة للواقع.
التضليل بإهمال خلفية الأحداث، مما يجعلها ناقصة مشوهة لا يستطيع المتلقي تفسيرها.
التضليل باختيار قضايا ومشكلات زائفة والابتعاد عن قضايا أخرى تهم الجمهور وتساهم في تشكيل الوعي السليم.
التضليل باختيار أضعف وأسوأ شخصية ممكنة لتمثيل قضية ما في حديث إعلامي لكى يتم إسقاط القضية وتشويهها عبر تلك الشخصية المهزوزة السيئة أو الضعيفة والمنطقي أن صواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي منه أتت بل الذي إليه تستند.

التضليل بالمصطلحات المصنوعة والمنحوتة التي تبني وترسخ مفهوماً معيناً يتوافق مع مصالح صانع المحتوى لتغييب الحقائق وتزييف الوعي.

نموذج من صناعة التضليل في مصر:

في حلقة بتاريخ 17 نوفمبر 2015، قال "سيد علي" مقدم برنامج "حضرة المواطن" على قناة "العاصمة": "فيه حاجة اسمها النحس، رغم أني لا أؤمن بالمسألة وأرجو شريف إسماعيل (مايزعلش) من اللي هقوله، ولكن الوزارة من يوم ما جت النحس ملازمنا، وفي الريف بيقولوا غَيَّر العتبة، تعالوا نؤمن بالنحس ونغير العتبة احتمال الأمور تتعدل". تعليقات المذيع سيد علي جاءت عقب ظهور نتائج التحقيقات التي أعلنتها روسيا بشأن سقوط الطائرة في سيناء، وقالت إن الطائرة سقطت بقنبلة.

هنا استخدم المذيع لغة مسيئة للحكومة، ولا علاقة لها بأول أهداف المهنة وهي التنوير، وبدلاً من نقاش قضية سقوط الطائرة بشكل علمي تحدث عن النحس وربطه بما يحيط بمصر وهو أيضاً حديث غير موضوعي ويبتعد عن اللغة الإعلامية، والتي تسمح للمذيع أن يعلق على الأنباء ولكن لتوضيح المعلومات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.