المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا فاروق Headshot

اكتئاب ما قبل 25 يناير

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-30-1485802991-2469602-EgyptStreetArtAbdoElAmirHuck.jpg

تأتي عليَّ الذكرى السادسة لثورة 25 يناير بمشاعر كثيرة مختلطة؛ بداية من جلد الذات إلى مرارة إحساس الخيانة، مِن بعض من اعتقدنا أنهم رفقاء الدرب، وأيضاً من نخبة تحط من قدر الشباب وقد يصل بالبعض منهم إلى كره أي فكر ثوري خارج عن فكرهم الإصلاحي، المتشرنق في بوتقة الأبوية الفكرية والأنا العليا وضد أي شيء خارج فكر المساومات والمواءمات مع الأنظمة.

ولكن أسوأهم في المشاعر، الشعور بالخذلان، ليس الخذلان السياسي أو الثوري وإنما خذلان الشهداء. لديَّ هذه الصورة دائماً بأن الشهداء يراقبوننا في صمت وحسرة، ولسان حالهم يقول: يا ليتنا لم نصدقهم، ليتنا ما حلمنا بالحرية. لقد خرجنا كشباب نطالب بالحرية لوطن نحبه حباً جماً بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات ومتناقضات تجعلك تشعر بأن هذا الوطن عبارة عن كرة ثلج هائلة من حب وكره وألم.

خرجنا نريد الأفضل، أردنا التغيير الجذري وليس الإحلال، خرجنا وعندنا اعتقاد أن عودتنا وسلامتنا احتمالية ضعيفة، هل تعتقد أن من يجازف بحياته يريد مجداً؟!

شخصياً، قبل دخولي في الحراك السياسي سنة 2008، كنت ناجحة جداً على المستوى المهني والشخصي والأكاديمي؛ بل بالعكس فترة منتصف العقد الأول من الألفية الثانية إلى آخرها أعظم فترة لى على المستوى الشخصي والمهني، فلم أكن مضارة من شيء؛ بل بالعكس كان وقتاً صعباً لممارسة الحياة السياسية وكأنك تجازف بكل حياتك ونجاحاتك، ولكني كنت دائماً أطمح إلى العدالة الاجتماعية والحرية كغالبية شباب هذا الجيل المظلوم، كنت ناقمة جداً على مجتمع الخوف و"الحيطان ليها ودان"، كنت أتساءل دائماً: لماذا أحمل على أكتافي إرث المهانة والذل، ألا يكفي مَن حملوه دهراً وارتضوا به وهم في سبات عميق؟! القمع الفكري والأمني كان يحفزني أكثر على الثبات على مبدأ التغيير وحتمية مقاومة القبضة الأمنية التي تحمي الحاكم وتمتهن المواطن وكأنهم هم من يملكون الوطن والشعب ضيف عليه ويجب أن يكون "الضيف خفيفاً".

حتى هلت بشائر الثورة ورياح التغيير عندما هتف الشعب التونسي "بن علي هرب"، لا أُخفي عليكم، رغم أن وقْع الجملة أشعل حماستي، فإني كنت أتخيل صعوبة حدوثها في مصر، ولكن المحاولة واجبة، وحدثت الثورة وتنحى المخلوع، وبدأ التشرذم الثوري في اللحظة التي تلت التنحي: تخوين، كيانات، اتفاقات، انشقاقات، تناحرات، تقسيمات، خلافات، فكانت فكرة التنحي هي الفكرة الجوهرية لإنهاء المظاهرات والقضاء على الثورة من خلال شعار "هيا بنا نبني"، "الثائر يثور شويتين كدة على ما قُسم ثم تأتي مرحلة البناء". وطبعاً، ما أدراك من التلويح "بمرحلة البناء"! فمعناها انتخابات واستحقاقات سياسية، فكانت هي الطُّعم الذي لوح به النظام للنخب من كل الأطياف، وماذا يفعل الشباب أكثر من أنهم رفضوا الطعم؟ فهم يريدونها "على نضافة"، فكان التنكيل بهم إعلامياً أو فض مظاهراتهم وإلقاؤهم في الزبالة.

أما الرفقاء النخب، فلم يترددوا لحظة في المشاهدة والإعجاب؛ بل والتصفيق في بعض الأوقات؛ بل شارك البعض في تشويه صورة الشباب بأنهم زنادقة مارقون يرتعون فساداً في ميدان التحرير! تكالب الكل على الشباب حتى أصيب البعض منهم بفيروس التخوين والانقسام فيما بينهم. وطبعاً، كان هذا هو المطلوب، فصوتهم عالٍ ومزايدات خيالية ومطالب أفلاطونية.

لا أخفيكم سراً أني حانقة؛ فلا توجد رؤية موحدة، وأصبحت الثورة ذكرى محكية في القنوات حتى باتت عادة وكأنها مسكن للصداع! الشعب أصبح الشعب كافراً بالكل، كيف سيأتي التغيير إذاً؟ هل بتنحي كل من تصدّروا المشهد؟ هل بجيل شاب قادم تعلَّم من أخطاء ثورة يناير؟ هل ستصعد الأنظمة الديكتاتورية في العالم ثم تحدث صحوة مضادة ويكون الحكم للشعب والشباب؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.