المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا عشبة Headshot

لا ينتمون لساحرتكم

تم النشر: تم التحديث:

الانتماء لفظ جميل عَلمنا مرادفه في اللغة هو اتباع فكرة، أو جماعة، يربطك بهم الأرض والعادات والثقافة، وهنا يكون موطناً.
وأفضل الانتماءات مؤكداً هو الانتماء لدينك وخلقك، لكن هذا ليس موضوعنا.

في الآونة الأخيرة بدأت مرحلة التأهل لكأس العالم كما يعلم الكل؛ لتجد الجميع متحمساً ولديه مشاعر متخبطة بين الفرح والقلق والخوف والتوتر، كأن الدنيا قد قامت ولن تجد لها كاتمة.

لكن هل فكرت أن هذا وحده كافٍ لتثبت انتماءك وتشبثك بهذا الموطن وهذه الأرض؟
وأي سبيل من سبل الإثبات تتخذه؟
وهل السبيل الذي تتخذه حق سبيل يرسم تلك الصورة بصدق أم هي مجرد رسمة ظاهرها الخارجي أولعك بها؟

تذكر معي مُذ كنت طفلاً وكم عدد الجمل التي سمعتها عن الانتماء والوطنية والحمية له والبغض لكل عدو له؟
حين كنت تسمع معلم التاريخ يردد كم من حرب خاضها جند بواسل وراحوا شهداء لأجل موطنِك واليوم أنت تربط الانتماء باللاشيء؟!

هناك سؤال دائماً ما أقف عنده: "هل فوز العالم بجائزة ما، أو تحقيق إنجاز جديد نصر فردي أم جماعي؟
أغلب الأحيان تكون الإجابة: نصر فردي؛ لأنه قد حقق هدفاً كثيراً ما سهر الليالي ليعد نفسه لأجله فما خصني من جوائزه التي حصلها واسمه الذي كتب بكل تلك الصحف.

والإجابة الثانية لقد حقق، فإنه أضاف جديداً للعلم الفلاني، وهذا يمكن أن يدركه مجالي ويضيف لمعرفتي وتكون لي إفادة، ولعل الأمر يكون نوعاً من التحفيز لأصير مثله يوماً ما.

لكن ماذا لو تعلق الأمر بساحرتهم المستديرة؟!
هنا الأمر يثير تعجبك واستفاهمك وتبقى في موضع حيرة، فإذا نظرت من جهة المواطن العادي فإنه عكّاز فرحة هش يستند عليه معشر المتعبين من خذلان الظروف المحيطة على كل المستويات الحياتية.
فلِمَ أحرمه بنكدي الفكري من تلك الفرحة حتى وإن كانت يوماً وستبلى وتنتهي؟! لِمَ أطفئ الأمل أو ذلك البصيص من الأمل الذي يراه ولا أراه رُبما لأن بؤسي أحبني أو لأني لا أفهم في الكرة أصلاً؟

أما كشخص ينظر بمنظور الفائدة العائدة له ومدى الاستفادة وترتيب الأولويات فعسى الأمر لا يهمك، فترغب أن تستلقي على الأريكة مثلاً وتفعل اللاشيء أو تقرأ كتاباً عن المنطق الذي صنع منك فيلسوفاً بائساً، أو أي شيء من هذا القبيل.

وهنا نقطة الخلاف.. يوم المباراة الكثير يتأهب لحضورها بالاستاد أو بالمقاهي مع رفقته والبعض برفقة العائلة كأنه العيد حقاً.

الشوارع هادئة لا تسمع بها إلا ضجيج وصراخ الجميع عند هدف، حماس جميل يجعل عينيك تبكيان من شدة السعادة بكل هذا الالتفاف الجميل ويحزن قلبك؛ لأنه في عبث، "تذكر أن الأمر أولويات".

توابع ما قبل وبعد المبارة بين المتحمسين وغير المهتمين فقبلها البعض يتمنى الفوز لأجل التأهل، والبعض منشغل بأمور أخرى لا يبالي بالأمر، لكن ما يحزنك في الوضع كله أن الفئة الأولى ترمي بالاتهام للثانية بأنها لا تملك روح الانتماء والوطنية والولاء لهذا الوطن، فقط لأنها لا تشجع ولا تأبه بالموضوع ككل.

هل اختزلت الوطنية بتشجيع مباراة كرة قدم؟
سُحقاً لتلك الفكرة وهذا الفكر المستفز، منذ متى والكرة هي درب الولاء وإثبات فروض واجب المواطنة؟
أجبني ما العائد عليَّ إذا شاهدت أحد عشر لاعباً يجرون وراء كرة في ملعب؟ هل سيكون قوامي ممشوقاً مثلهم؟ سيحرق السعرات الزائدة له وملايين المتفرجين مثلاً؟

اللاعب فقط المستفيد من المكافآت والهدايا التي ستقدم له أما أنا ما مكافأتي؟ لا شيء.

حقيقة ليت للعلوم والآداب نصف هذا الحظ الذي تمتلكه الكرة في أوطاننا، لكن اللهم لا اعتراض على فضلك.

وهنيئاً لكرة القدم بجمهورها من معشر الكرويين أو البسطاء التائهين بين دروب الغم ينتظرون ومضة حتى وإن كان ضوؤها باهتاً.

لكن إياك أن تنظر لأي شخص على أنه لا ينتمي لموطنك طالما أنه لا ينتمي لما تهوى، فإن كان هو لا ينتمي لميولك التي تراها مهمة ويراها محض سفه، فاعلم أن لديه تفاهات كثيرة يعرف كيف يستدل بها على ولائه لكنه ليس مضطراً للقسم لك بأنه يحب هذا الوطن ويودّ لو يموت فداه، هذا ليس شأنك، لكن شأنكم جميعاً هو محاولة رفع لواء هذا الوطن بالصورة التي تعبّر عن أنكم تمتلكون وعياً ووعياً ووعياً كي لا نصدر أحكاماً لا شأن لها بما ندعمه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.