المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا عشبة Headshot

اصنع ما يؤنس نسيانك

تم النشر: تم التحديث:

" الذكرى" على الرغم من أن عدد أحرف هذه الكلمة يبدو صغيراً مقارنة بعدد حروف أقرانها في اللغة؛ إلا أن واقعها على النفس مؤلم كثيراً فإن كان حزناً صحب بكاءً ونحيباً على أطلال ماض قد فات، وإن كان فرحاً صاحبته بسمة منكسرة راقت لها بعض الأدمع.

فمع كل ما يمر على ذاكرتك من ما قد فات تشعر بغُصة بين أضلعك كأنها تُريد أن تنقسم تصادقها تنهيدة يسعفك بها صدرك لم تخل من "ليتنا كُنا ولم نصر". تتكالب عليك الحوادث والمشاهد وكأن ذاكرتك السينمائية أرادت أن تهرب بك بين حلقات وسلاسل أفلام قصيرة عابرة؛ فتتوالى المشاهد فأنت شاب تتذكر حين كنت طفلاً فتمر.

المشهد الأول:

طفل يحبو يجهل هذا العالم الكبير الذي حوله يؤثر حب الاستكشاف على حبه اللعب بتلك الدُمى البلهاء فيودّ القفز في جعبة الأشياء المخفاة عنه كما لو أنه يبحث عن كنز. يتلعثم في نطق أسماء من حوله ويُخبئ وجهه الباسم حين يُداعبه الغرباء وهو بيد أمه.

يفرّ لحضن أمه حين فعل ما لا يصح له فعله فعلى الرغم من أنه يدرك أن ما كان منه لا يجب كونه وأنه على خطأ يُسر في نفسه أن لا ملاذ له من العقوبة إلا عناقها الطيب أول يوم دراسة وقتما تركه والداه وذهبا وظل يومه يبكي بين الذين لا يؤنسونه ولا يؤنسهم وبعد ذلك صاروا رفقة في حين رؤياه تآمر الكون ضده وأن الجميع يعبث به.

يذكر أول علامة حصل عليها وكان من أوائل صفه ويتراقص بالحارات كأنه أصبح من كبار علماء عصره ولا تسعه الحياة عند عناق أمه سعداً به وبعمله.

تمر كل المشاهد على الشاب وفؤاده بالشوق لها مولع فيتساءل هل سافرت تلك الأيام ولن تعود حقاً؟!
يُلاقي الرد في نفسه وكيف تعود وما مضى لا يعود إلا بالشوق يا أبله.
وذلك الشاب في وقت كهولته بقيت أحبّ الأعمال إلى قلبه مغامرات الشباب ورفقته وحماسه؛ لهفته لتجربة ما أراد سابقاً أن يختبره ولم يكن وآنها يمر
عليه

المشهد الثاني:

صبي على أعتاب تخطي المراهقة وبدء مرحلة الشباب لايزال هذا الفتى يعلم الكثير ويجهل الأكثر عن دنياه الآتية.
فصحبة المسجد وحلقات دراسة القرآن وتدبره ومصاحبة أهل العلم، فيطير بينهم بنهم لينال حظه من المعرفة عن كل جديد يجهله فيأخذ نصيبه من الإفادة ويستلهم منه ليكتشف بنفسه جديداً ويحفر بعقله حقلاً من زهور العمل والاجتهاد.

ويذكر في سالف السيَر تلك الفتاة التي فُتن بها قلبه وشغفته حباً وعاث هذا الحب بهذين الفؤادين فاسداً. ليكون هدوء قلب تلك الفتاة حُطاماً ويصير كلاهما في ذاكرة الثاني ماضياً بما أمضى فكل طرف يذكر ما بدر عن الآخر إما بخير أو ربما بسوء فلأنها خاوية المعرفة بطبائع الرجال كانت في نظره غُصة تؤلم صدره وتُعكر صفو دُنياه ويُلقي اللوم على نفسه أحياناً فيجيب ذلك الهاتف في نفسه كم كانت مسئولية لا أعتري بثقل حملها في تلك الأوقات، فأراد الفرار منها والخلاص.

رغبته ذات شأنٍ لا يمر على الدنيا مرور الكرام فيذكر في القصص حجم "الذكرى" على الرغم أن عدد أحرف تلك الكلمة يبدو صغيراً مقارنة بعدد حروف أقرانها في اللغة؛ إلا أن واقعها على النفس مؤلم كثيراً فإن كان حَزناً صحب بكاءً ونحيباً على أطلال ماض قد فات، وإن كان فرحاً صاحبته بسمة منكسرة راقت لها بعض الأدمع.

فمع كل ما يمر على ذاكرتك من ما قد فات تشعر بغُصة بين أضلعك كأنها تُريد أن تنقسم تصادقها تنهيدة يسعفك بها صدرك لم تخل من "ليتنا كُنا ولم نصر". تتكالب عليك الحوادث والمشاهد وكأن ذاكرتك السينمائية أرادت أن تهرب بك بين حلقات وسلاسل أفلام قصيرة عابرة؛ فتتوالى المشاهد فأنت شاب تتذكر حين كنت طفلاً فتمر.

رغبته في كيانٍ ذي شأنٍ لا يمر على الدنيا مرور الكرام فيذكر في القصص حماسه وقوته، يتوق لو عاد لصولاته وجولاته مع رفاقه، كثيراً ما حنّ لقضاء وقت أكثر معهم.

يأخذ هذا الكهل نفساً عميقًا فيستقر في نفسه سؤال أين تلك التي لا أذكر سوى اسمها؟ أظن التراب وارى سوءاتها أو أنها قد مرّت جانبي بإحدى الشوارع ولم أعرفها.

ويذكر ذاك الشيخ حوادثه وهو كهل ليبدأ موّاله بـ"آهٍ يا ولدي" وكأنه سيبدأ سرده على الربابة حقيقة.
يحكي عن عمله الحر الخاص به؛ كم كان يربح عند بداية تجارته، وكيف واصل سعيه. سترى في عينه توقاً غريباً كأنه مسافر غائب عن أوطانه فإليك

المشهد الرابع:

فيحكي روايته، بدأت تجارتي بمبلغ كذا وكان ضئيلاً وقتها وكنت لا أملك إلا كذا وكيف كانت تسير يسيرة ومتى كانت عثرة.
ويسخر من إلحاح أمه عليه في الزواج، وكيف رأى زوجته ومتى رآها.
شعوره بين الفرح والخوف في حين ولد أول وليد يحمل اسمه بين يديه هل سيكون له أباه السوي الذي يود ابنه أن يكون ويبقى يسرد حوادثه حتى وقته الذي شاخ به.

عسى بعض المشاهد لم تذكر كذكريات أم تحملها لابنتها، تسرها بين أضلعها يوم تخرج طفلتها الصغيرة من الجامعة التي كانت بالأمس وحيدة بالمدرسة.
أو مشهد خطر ببال أم حين استشهد ولدها وظل فؤادها يبكي ويزغرد لا يرسو على شاطئ.
لكن خلنا نتأمل ملامحنا عند ذكرى تلك الأيام الخوالي ونحن ننطق ليتها تعود وداخلنا يقنن أنها لن تعد فسنة الله في الأرض دائرة لا مرد لها.
وتعجبني عبارة لـــ"جوزيه سارامجو":

"ما نحن إلا ذكرياتنا، والمسئولية التي نتحملها. فمن غير ذكرى لا وجود لنا ومن غير مسئولية لا نستحق الحياة"
وعلى لسان قلمي الذكرى هي الولع بصياغة للحظات ونقشها في حنايا معبد قلبك لذلك أتقن صياغتها لتحسن نقش ما سيصحبك حين يكون أنيس عقلك "الزهايمر".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.