المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا عشبة Headshot

الإرهاب فِكر لا دين

تم النشر: تم التحديث:

‏في حالة قراءة الروايات العصرية وبعض الأعمال التلفزيونية، يتبادر إلى الذهن عدة تساؤلات عن تصوير الكتّاب للجانب المتطرف للمسلمين، فمثلاً لِمَ يصور المتطرفون في الإسلام فقط؟ لماذا يستغل الفكر المستبد للإسلام فقط؟ هل يقتصر حقاً الجانب المتطرف على اللحية والجلباب والبندقية والكلمات القليلة التي يحفظها هؤلاء عن العقيدة؟ لماذا يصور الاستبداد الديني في صور بعض المتأسلمين؟ هل يقصد تصدير تلك الصورة عن المسلمين أم الأمر للحبكة الدرامية فقط؟

في الآونة الأخيرة قرأت عدداً من الروايات، وبمرور ضئيل جداً بالتلفاز، صادفتني بعض القصص المختلفة، ولكن يبدو أن الكُتاب اتفقوا على فكر واحد، هو ترسيخ الجانب السيئ المتطرف من الإسلام، بربطه بالجهل والاستبداد، واستغلاله للكذب على الناس، ويأتي سؤال هنا:
لِمَ لَم يصور أي دين أرضي أو سماوي آخر؟ هل التطرف أصبح مرافقاً للإسلام فقط؟

يقول الإمام محمد الغزالي -رحمة الله عليه- في كتابه الحق المر: "ليس تحجب المرأة تطرفاً، ولا التحاء الرجل تطرفاً، وليس اعتبار اللغة الأولى للأمة تطرفاً، ورفضها للقوانين الأجنبية تطرفاً، وليس إيثار التقاليد الإسلامية تطرفاً، إن هذا كله الدين، والتشبث به والدفاع عنه فرض على كل مسلم".

كتب هذا الغزالي -رحمة الله عليه- مهاجماً أفكار العلمانيين التي تودّ قتل أفكار الإسلام وحضارته، مدّعية التحضر والتحرر، وإثباتها أن العقل وحده دين يهدي صاحبه حق المواطنة.

وتأتي رواية الكاتب الإنكليزي المعروف "جورج أورويل"، ابنة القس، لتكشف المجتمع المسيحي المتشدد، وتنتقده نقداً ساخراً لاذعاً، موضحةً أن البؤس الذي تعيشه الفتاة مع أبيها القس.. الأرمل، المتزمت، من خادمة للكنيسة وللمنزل، لبخل أبيها، لتفقد تلك المسكينة الذاكرة، وتفر للندن، ومن لندن تجد نفسها وسط مجموعة من المشردين؛ لتعود للبيت من جديد، ويتقدم لخطبتها رجل، فترفض بسبب العقدة التي نبتت وأينعت نتاج الخلافات الأسرية والتربية الدينية المتزمتة.

الأمر يبدو أن كاتباً أجنبياً استطاع أن يرسم الواقع دون خوف، أو سير على وتيرة سابقيه، وتحمل نقداً بالغاً، فتلك الرواية لا تصور قتل أبرياء، لكنها تصور ما يمكن أن يتشابه عليه في الديانات الأخرى، ففي الإسلام أيضاً هناك عائلات متزمتة هكذا.

تحدثت أيضاً الكاتبة خَوّلة حمدي، في روايتها "في قلبي أنثى عبرية"، تلك الرواية التي تتحدث عن عائلة تتعايش بها كل الأديان، لكن هناك في هذه الأسرة من هو متعصب لدينه ولرأيه فيؤذي بحميته أبرياء.

"1"

فمثلاً "ريما"، المسلمة التي تذهب للعيش مع أسرة يهودية في لبنان، غير التي ألفتها في تونس، تُعاملها ربة منزل تلك الأسرة معاملة قاسية حتى تموت شهيدة؛ لخروجها من المنزل في يوم اشتدت به الحرب.

"2"

أحمد وندى، بطلا تلك الرواية، وما مرّا به من حوادث مختلفة، فكانت لعنة والدة ندى التي كانت ترى أن قصتهما ستنتهي بالفشل لا محالة، كما حدث مع زوجها السابق.

هكذا أوضحت الكاتبة بعض جوانب التعصب في اليهودية، فلا داعي لأطيل السرد عليكم بها.

قد تمكن الكاتب الهندي "شيباني باتجي" من إبراز الفرق بين الإسلام والتطرف المتأسلم في الفيلم الهندي المعروف "My Name is Khan"، هذا الفيلم الذي تحكي قصته، أن أحد الهنود الذي أثبت للأميركان أن الإسلام أصله الإنسانية، لا القتل واستباحة دم الآخر بسبب اختلافه، من مرادفات دين الإسلام.

ويأتي الرافعي يكتب عن أرمانوسة، ابنة المقوقس، التي كانت تحادث خادمتها، فتحدثها عما قاله أبوها عن هذا الدين، وعن نبيهم، وأن هذا الدين لم يقُم على الحرب، وإنما قام على كريم الخُلق واحترام الذات الإنسانية، فهو حقاً استكمال لدعوة المسيح.

والسؤال الآن: لِمَ بعض الكُتاب يتعمد إظهار الصورة المتأسلمة والجانب المتطرف فقط؟

نعم فالجانب الإبداعي يحكم ويضع قوانينه على الكاتب؛ ليجعل بين الأحداث نوعاً من الترابط والتشويق يُرغم حواس المتلقي على المشاهدة والاطلاع.
يربط البعض عرض التطرف المتأسلم في الأعمال الأدبية بشتى مجالاتها المختلفة بالواقع السياسي، وبعض الأحيان القضايا الاجتماعية.

يمكن أن يكون المقصد تصوير بعض الأسر المتطرفة وتأثيرها على المجتمع، ولكنه نادراً ما يصور المسلم المدرك لإسلامه، وهنا لا يكون الأمر سوى وصف لاثنين لا ثالث لهما؛ إما أن للكاتب أهدافاً لا يعلمها إلا هو في سريرة نفسه، ولكن تختلف المفاهيم باختلاف الصور الذهنية الموردة للمتلقي،

أو هو نوع من أنواع الاستبداد، نعم هو الاستبداد الأدبي الذي يقف عند صورة ما، أو فكرة يسعى دائماً لترسيخها داخل عقل المستقبل، ولا سيما إن كانت تلك التربة خصبة تتغذى على الجهل بالإمكانيات الإبداعية والفنية والأدبية، فتصلح لنبت جذور ذاك الاستبداد المعتوه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.