المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا عشبة Headshot

تحرش

تم النشر: تم التحديث:

ذِكر كلمة تحرش يستدعي في عقل أي شخص التحرش الجنسي، فقد بات ظاهرة منتشرة في المجتمعات الشرقية، ومن أكثر المآخذ عليه.

لكن المراد بذكر التحرش هنا التحرش الفكري.. نعم التحرش الفكري، ذاك الذي يهدف إلى التلاعب بالعقول والغرائز متخفياً في لِباس الثقافة والرُقي الحضاري والفكري جاعلاً مَن تبَنّى تلك الفكرة متهماً بهتك عرض الرقي الأدبي وتراثه، ومتورطاً في قتل النبت القادم من وعي وذوق أدبي وثقافي.

أصبحت مشكلة أنك لا تجد إفادة لا من السينما ولا التلفاز في هذا الزمان؛ لتكون القراءة هي الملاذ الأخير.
ولكن إذا كان ملاذك أوشك على الانهيار.. كلا إنه انهار فعلياً! فما العمل وأنت ترى تراثك الأدبي ينهيه حاضره فلا شعر يُحرك القلب وتطرب النفس لسماعه، ولا الروايات أصبحت تخدم شرح التاريخ بأسلوب متطور ولا تساعد القارئ على التخيّل والإبداع فلِمَ تنتظر أجيال بناءة مستقبلاً؟!

الروايات اليوم لم تعُد كالسابق فكنت تقرأ الرواية وتنتهي منها وأنت مستفيد من كل جانب وكل موقف مرّ بها وتستنتج قدرا لا بأس به من المعلومات.

اليوم نادراً ما تجد كاتباً قادراً على إنتاج هذه الإمكانيات، فبعض روايات اليوم لم تعد توضح قضايا الشرق وتحاكي عادات لم يكن لها وجود مسبق فيه.. أوافقك منذ أن عاهدنا الأدب والروايات الرومانسية موجودة، لكن لم نرَ قط لأي كاتب أنه ذكر ما يلعب بغرائز قارئه أو صوَّر بعض ما يحدث في العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة.. وهنا تشعر أنه لا يوجد حياء لدى الكاتب أو أنها متاجرة لأجل المال ليس إلا.

أما عن اللغة فالمآخذ اللغوية ما أكثرها، فإن كنت ضليعاً باللغة فأمسك برواية من منتجات عصرنا الحديث وقل يا أهلاً بالمعارك، فاللغة ركيكة لدرجة أنك تشك أن هذا الكلام ينتمي للغة العربية، أو ترى رواية بكاملها مكتوبة باللغة العامية، فتُرى لو كان أباطرة الأدب العربي يعيشون لهذا العصر ما رد فعلهم؟! عساهم أن يقتلوا هؤلاء رجماً بالحجارة.

دعني أحدثك عن الشعر وما جرى للشعر يا رجل.. فالشعر لم يعُد شعراً كما ألِفناه بل أصبح هناك دُخلاء، ولكن دُخلاء اليوم ليسوا كدُخلاء الأمس.

فالكلمة جانب تبعاتها مساوية لها في القافية وانتهى، لا يهم المعنى ودقته، لا يهم أن تُحرك العاطفة فتذكر "الحب الحب.. الشوق الشوق.. بولوبيف بولوبيف"، بل المهم أن تكون سبباً لجمع المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً ذلك القطاع العريض من الفتيات، اللاتي يتوهمن بقصص الحُب التي تجد نفسك تشعر بالحموضة عند قراءتها فلا تشعر أنه شعر، أو أنها خواطر منثورة، فتتذكر محمد هنيدي، وهو يقول: "وحدي تركتيني.. تركتيني وحدي يا أم يزيد"، فيصيبك الملل وتلعن اليوم الذي قررت فيه أن تقرأ.

وأمام كل هذا اللغط الأدبي تجد الأمل في الجيل الحاضر فمنا من يقرأ لمحمود شاكر والعقاد وأنيس منصور والمنفلوطي وغيرهم، ومنهم من يستحسن شعر شوقي وحافظ إبراهيم وابن زيدون وغيرهم، يبقى الأمل هنا من جديد ترى شعاعاً يُشعرك بأن الاضمحلال سينتهي لا محالة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.