المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رنا الشهري  Headshot

الافتتان بحافة السوء.. فلورنس فوستر وآخرون

تم النشر: تم التحديث:

إذا أنصتّ لصوتها ستشعر حتماً أن ثمة خطأ تراكبياً ما، خطأ لم تقدر قوة النقد الفنية وسطوة الاستفظاع الجماهيرية أن تسويه بالأرض، النشاز الذي يقهر ويغلب بتنفّذ المال.

هذا لو أردت أن تقع على "بروفايل" مختصر يحكي عن حياة مطربة الأوبرا المتوفاة قبل سبعين سنة، والمحتفى بها عالمياً بلا عقل "فلورنس فوستر جنكينز"، مجرد فتاة أميركية ورثت ثروة عظيمة عن والدها؛ لتقرر أن تستثمرها -أو لنقل بشكل أكثر قسوة- أن تبدّدها، في تحقيق حلم خاص تكون فيه أيقونة الغناء الأوبرالي، متحدية إمكاناتها التشريحية المتواضعة وقلّة حظها من الموهبة، ولتذهب كل الاعتبارات الفنية ومقاييس الذائقة تحت أقدامها.

والحق أن إيمانها بأوتار متنافرة وحنجرة لا تخدم حلمها كان ملهماً، كما كان -بالتوازي- تراجيدياً أيضا، ملهماً لأولئك الذين قابلوا ظروفاً إبداعية ميسرة منذ الولادة، لكنهم أحجموا عن إبدائها خوفاً أو خجلاً أو كسلاً أو زهداً، وتراجيدياً؛ لأنها تطرق التيمة الخطأ ثم تتوقع الرد.

ظلت تتردد على المسرح بإصرار بعد أن ترسي عدداً من التدابير المشروطة؛ لتحمي وهمها وخديعتها الكبرى، فهي توزع الورود على الخشبة، وتفاجئ الحضور بحلل طاووسية تسحب جزءاً من الاهتمام الجماهيري ناحيتها كي لا يتبقى لرداءة صوتها إلا اهتمام نصفي ربما، لم تكن تنتقي إلا أفضل الموسيقيين الذين عاصروها وعاصرتهم، ثم تبدأ بالعويل وتأدية وصلات من التشنجات التي لا يملك معها الجمهور الذي لا يجامل كثيراً إلا أن يضحك بهستيريا ونقمة، ضحكاتهم توخز حلمها، فتقرر استئجار مَن يطرد كل من يضحك أو حتى يكتم ضحكاته، فيما يفسح فراغاً لأولئك المتواطئين مع بشاعة صوتها زيفاً أو كإشكال ضميري كي لا تجرح، وأما مَن لا تطالهم يدها ممن ينتقدونها فالرد عليهم جاهز، ستتهمهم بالضحالة والذوق الممسوخ.

العالم لم يهملها، وهذه الحفاوة التسجيلية في السينما عنها تثبت ذلك، ثمة مقاطع بقيت محفوظة لها؛ لأن هواة الضحك عليها استبقوها لديهم، حتى تكون تسلية موعد سكرهم فيضحكون حتى ينهاروا. لكن أنت تعرف أن الناس يلتصقون بغزير الموهبة بالقدر الذي يلتصقون فيه بمنعدمها، أقصى الانهيار يساوي أقصى العلو من اهتمام الناس وملاحقتهم له، ولهذا تجد أن جملة الأفكار اللاهية جداً، و"العبيطة" جداً، تتخذ موقعاً قديراً في قائمة عناية بعض الناس، تماماً كما هي الأفكار الخارقة جداً، الوضع الوسط لا يغري ولا ينبه ولا يستفز.

هكذا تستطيع أن تفسر سر تهافت الناس الرهيب لمتابعة أغنيات متنافرة متدنية الجودة، كأغنية "ريبيكا بلاك"؛ كي يروا كيف يكون شكل أقصى درجات السوء، لكن منهم مَن يتورط في الغرام بهذا السوء حتى يدمنه، ثم تسحبه تلك العادة إلى دركاتها فلا يستحسن سوى القبح والتفاهة والابتذال ويدافع عنها، يتعقب بعض مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي لذات السبب؛ لأن هذا المشهور أو ذاك يقدم ما يكفي من تفاهة ويستعرض ما كان مندساً في الظل، فيستدرج المتابعين ليتعرفوا على كيفية حدوث التفاهة، قد يندبون حظهم وقلة جرأتهم في فعل مثل هذا الفعل، وربما تابعوه كنوع من الطبطبة والرضا عن النفس؛ ليشعروا بشعور أفضل حيال ذواتهم وتقييمهم لأنفسهم، فمهما بلغ ابتذالهم على الأقل هم لم يصلوا إلى هذا الحد مثله.

وقد يفاضل المتابع فيما بين كومة الضحالات هذه باعتبارها المحور الأوحد الموجود في حياته وهذا أخطر.

لقب أسوأ مخرج في التاريخ ناله المخرج "إدوارد وود" الذي أخرج فيلم "الخطة ٩ من الفضاء الخارجي"، لكن الغريب أن يصر الناس على أن يروا فيلماً أخرجه "بيرتون" عن حياة هذا المخرج السيئ لرؤية قمة درجات السوء أين تبلغ، حتى وصل ببعضهم أن أنشأوا جمعية دينية لعبادته، وصار في عرفهم مرجعية إنسانية هائلة. وتتوالى مفاجآت الجمهور أيضاً لنرى كيف يصفقون لجائزة أسوأ لباس وأسوأ فيلم كما في مهرجان التوتة الذهبية.

في كل دورة حياة لا بد أن يظهر أولئك الذين يروق لهم مراقبة كيف يبلغ الإنسان منتهى التدهور بافتتان يضمن مواصلة عملية النزول للأسفل مثلما يوجد مَن يراقب منتهى العلو، أقصى الحدين هو ما يمكنه أن يخلب الناس لو أردت أن تلفت الانتباه فعلاً، والنشوة المتحصلة بمراقبة أقصى درجات الانهيار تماثل تماماً تلك النشوة المتحصلة من مراقبة أقصى درجات القمة، وإلا ما كانت استمرت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.