المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رمزي هويدي Headshot

تونس: الفساد ينخر الدولة.. الواقع والانعكاسات

تم النشر: تم التحديث:

بعد انقضاء العام الخامس على ذكرى انتفاضة الحرية ما زالت تونس تعاني مشاكلها الداخلية، وأعباء مَشاكِل جِيرانِها ورَغَبات الدول الخَارِجِيَّة في اقْتِنَاص اختلاف الرؤى بين سِيَاسيّيها، أمَام الانْفِلات الفِكري والاختلاف الحاصل في تقييم المشهد العام، أصبح الشجار وتبادل التهم هو الخبز اليومي للمثقفين وأشباه السياسيين هناك، بين من يرى ضرورة العودة للوراء وبين التفكير في البديل غير الجاهز أصلاً.

هذَا الِارتِباك الحاصل جعل كل القضايا العاجلة والحوادث الأمنية الحاصلة بين الفينة والأخرى داخل البلد بالنسبة للفرقاء هناك أشبه بأهداف داخل مرمى الآخر، حيث تحوّلَت تلك الأحداث إلى ميْدانٍ لتَصفْية الحسابات السياسية والمزايدات الاجتماعية، ووصل ذلك إلى حدّ عدم التعليق على قضايا وكوارث كانت وطأتها في الأمس القريب أشبه بالطامّة الكبرى التي تهز الجميع، حيث دخل معجَم الموت إلى القاموس اليومي للتونسيّين، وأصبح الحديث عن الاغتيالات أشبه بالحديث عن الحوادث العرضيّة اليوميّة، ووصل الوضع مؤخّرًا إلى درجة عدم التفاعل حتّى مع عمليات تهريب الأسلحة في الموانئ، وكأن ما يحدث عبارة عن تجاوز يوْمي بسيط لا يرتقي لدَرَجة التنديد أو التصعيد

الأسباب:

في الحقيقة يبدو واقع الأحداث في تونس رغم ما يحتويه من قتامة وغموض أرحم من حال الجار اللّيبي الغارق في الحرب الأهلية وأزمة فوضى السلاح التي خلّفَتْها الحرب هناك، وأحسن من حال الشقيقة الكبرى مصر التي هربت من ديكتاتورية الرئيس وحاشيته لتجد نفسها داخل مربع هيمنة الجيش وسلاحه، قد لا تكون هذه الأوضاع كافية للاقتناع بما عليه حال تونس اليوم، لكن لا أحد بإمكانه أن ينكر انعكاساته الكبيرة على وضع الاقتصاد التونسي بِفِعل التهريب والفوضى الأمنية على المناطق الحدوديّة التونسية.

هذا إضافة إلى التراكمات والأخطاء للحكومات التونسيّة المتعاقبة بعد الثورة دون أن ننسى المُحاصَصَات السياسية التي أربكت الوضع الاقتصادي المتدهور بطبيعته والذي عجِز سياسيّو الوفاق على مجاراة نسق انحداره، رغم الوعود التي أسدوها للشعب قُبَيْل الانتخابات وبُعيْدَ التوافق.

الانعكاسات وسبل التدارك الحقيقية:

قد يُحاول البعض التطرّق للواقع التونسي بعَيْن المُنقذ والحديث عن حلول وإصلاحات اقتصادية والبحث عن بدائل وخيارات جديدة وطرح قضيّة الدعم اللوجستي بطريقة أو بأخرى.. لكن وبِغضّ النظر عن تلك الحلول ومصداقيتها ونجاحها وحتّى نجاعتها، فإن منطلق طرحها إن لم يكن نابعًا في بِدَايَتِه من التّفكِير في إصلاح الفكر المجْتَمَعِي ونشر الوَعْي وتَقْريب الخِطاب السّهل للْمجْموعة ومصَارَحَتِه بالعوائق الحقيقية، فلا يمكن للواقع أن يتغيّر ولا للاقتصاد أن يخرج من عنق الزجاجة، كما لا يمكن أن تتوفّر فرص استثمار أجنبيّة بدون أن يترتّب البيت الداخلي عبر مكافحة الفساد الذي استشرى في كل الإدارات والصفقَات العمومية والخاصة في جميع المجالات الحيوّية والذي انعكس بدرجة كبيرة على واقع الأحداث في تونس وعلى جميع الأصعدة بدون استثناء.

الآمال والخيارات:

أمام واقع الأحداث الحالية وإزاء ما يجري في المنطقة، فإن تونس لا يمكن أن تُستثنى من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الجيوسياسية الدوليَّة، وهو ما يجعلها أمام خيارات متعدّدة، فإما أن تساير الأمور كما هي والخروج بأقل الأضرار من خلال قبول الإمْلاءات الغربيّة والخليجية وبدون التدخل في "الأوامر" التي ستُفرض عليها (وهو ما يرفضه الأغلبيّة في تونس) أو استغلال ما تبقّى لها من رصيد ثوري برفض كل ما يمكن أن يجعل منها "بوّابة" لأجندات خارجية والوفاء بالعهود التي قامت لأجلها ثورة شعب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.