المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رامي وفا Headshot

ما تعلمته من العم تمساح

تم النشر: تم التحديث:

يبدو اسمه للوهلة الأولى غير مألوف، وهذا يخالف واقع وجهه تمامًا، عم (تمساح) ربما صاحب الوجه الأكثر ألفة فيمن رأيتهم، رجل صعيدي صعيديته كاملة، جلبابه بسيط، عِمَّتُه لا تفارق رأسَه، جسمه ممتلئ، له شارب صعيدي يجلس أسفل أنفه الكبير في تواضع، صوتُه طيِّب وأنا أعلم أن وصف الأصوات بالطيبة غير دقيق ولكنه الأقرب، ببساطة رُبَّما لو فكَّر أي رسَّام في رسم رجلٍ صعيدي من خيالِه لكانت الرسمة في نهايتها صورة طبق الأصل للعم تمساح.

عرفت العم تمساح عندما ذهبت أول مرة لقريته الأسوانية البسيطة كطبيب صيدلي مُكلَّف في آخر الدنيا، الصيدلي الذي أنهى جيشه للتوّ وأُعلن أن تكليفه في أسوان فأصر ألا يقدِّم تظلماً وأن يخوض التجربة على مرارتها وبعد المسافة لعلّ روحه تتنسَّم هواءً جديدًا بعدما أُشبعت من هواء المجندين وصف الضباط، الصيدلي الذي أتى من البندر على حد قولهم ليجد نفسه في قرية غرب النيل بلا مواصلات برية، بلا مقهى واحد، بلا قدرة على التحرك للمركز التابعة له القرية تقريبًا، لكنه وجد العم تمساح في الانتظار، وكان هذا أفضل كثيرًا.

قابلني عم تمساح أنا وزميلي الطبيب البشري بكل ترحاب وكرم، ضايفنا في مضيفة بيته الواسع جدًّا رغم بساطته، حدَّثنا عن القرية بشغف كبير لا يقل عن شغف من زاروا باريس أو روما في أمجادهما مثلًا، قال لنا
"أنا عارف أهل البلد دي.. كلهم ناس غلابة ويتضحك عليهم بكلمتين، قولولهم الكلمة الحلوة هتكسبوهم".

أعدّ لنا الشاي الصعيدي الثقيل، عرَض علينا تدخين نرجيلته لكن طبعًا منعنا حياؤنا كأطباء نزوره لأول مرة، حدَّثنا عن طرق تدبير معيشتنا: المواصلات، الطعام والشراب، السكن، وأكَّد علينا مرارًا أن نبلغه فورًا بأي شيء نحتاجه وهو سيدبَّره لنا، الأمر الذي تكرر كثيرًا بعد.

خبراء السعادة والنجاح في العالم كله لهم مبدأ مُفضَّل دائمًا وهو "كن ممتنًّا" ، للعم تمساح هذه القدرة العظيمة على الامتنان، لم أرَ من مدة كبيرة شخصًا راضيًا أو سعيدًا بحياتِه، كل من أراهم ناقمون وغاضبون، يسعون بكل قوة لتغيير حياتهم غير مستمتعين برحلة التغيير تلك، هم يجرون سعيًا خلف النتائج التي رغم كل هذا السعي لا تتأتَّى لهم أبدًا.

عم تمساح شديد الامتنان لحياتِه، لزوجتِه، لأولادِه، للقرية التي عاش بها طوال عمره، ولأهل قريته الذين عاشرهم منذ الطفولة، مُمتَنٌّ لكل الأشياء البسيطة في الوجود، وهذا الامتنان ينتقل إليك بسهولة كلَّما تحدثت معه حتى أننا صرنا أصدقاء على اختلاف أعمارنا وحياتنا.

يمُر عم تمساح علينا يوم الخميس "بكره يا دكاترة الغدا عندي.. ومفيهاش كلام دي"، يمر علينا بعد صلاة الجمعة يقودنا للمضيفة الواسعة، يأتي الطعام ونأكل أكلًا شهيًّا جدًّا، يعد لنا الشاي الصعيدي الثقيل ثم ننتقل في الحديث من القرية إلى السياسة ثم للفرق بين قبلي وبحري، وبين القرية والبندر، أباغته بسؤال حيَّرني منذ أن أتيت للقرية "هو ليه يا عم تمساح مفيش قهوة واحدة في القرية؟ يعني القرية تعدادها السكاني كبير ما شاء الله والمفروض ع الأقل يبقى فيه قهوتين تلاتة الناس تقعد عليهم لما تعوز".
يجيبني عم تمساح ببساطة "عيب.. عندنا في كل بيت فيه مضيفة الناس بيتجمعوا مع بعض فيها وأوسع من أي قهوة، يعني اللي هيقعد ع القهوة الغريب عن القرية بس.. وعيب غريب يخش القرية يدفع فلوس ف شاي أو ف حجر معسل، الغريب عندنا يخبَّط على أي بيت يقولهم هاتولي شاي وأكل وحجر.. وأي بيت عنده الحاجات دي ويقدر يقوم بالواجب" قالها طبعًا بلهجته الصعيدية الحماسية، شعرت بنُبل الفكرة جدًّا وأعجبت للحظات بفِكر القرية البسيط، القرية التي تتولَّد فيها الحكمة من خبرات الحياة البسيطة، ومن الأمثال الشعبية الذائعة.

يجلس معنا (خالد) ابن عم تمساح الذي يشبه أباه كثيرًا في الكرم وتقديم المساعدات للغير، وأرى الفروق الكبيرة في حديث كل منهما عن القرية، خالد يرى القرية كما نراها أنا وزميلي الطبيب، يراها بعين الواقع بما لها وما عليها، أما عم تمساح يرى عُمق القرية، يُدرك ما وراء الستائر، يتحدث بشغف كبير عن كل شيء فيها، يحدثنا عن جلسة البلكونة في الهواء الطلق صيفًا رغم شدة الحرارة.. فيحمِّسني شخصيًّا لأن أنتظر الصيف هنا وقد كنت من قبلها أسعى للانتقال من القرية بأسرع وقت، حتى عندما يتحدث عم تمساح في السياسة فوعيه بها مثير جدًّا، الرجل يعي الكثير والكثير مما لم يعِه المتعلمون وأصحاب الشهادات العليا بل وأساتذة الجامعات، يعلم لماذا فجأة تم الاهتمام بقريتهم وزارها الوزير فلان أو علان، لماذا صرح الإعلام بكذا في هذا الوقت تحديدًا، كيف للأشياء أن تبدو في ظاهرها جميلة جدًّا وفي باطنها كل مصائب الدنيا.

يحكي لنا عم تمساح عن عادات القرية في الزواج، الرجل يعيش في بيت زوجته الذي عاشت به طوال عمرها على أن يشارك ببعض مصاريف الطعام والشراب وما تحتاجه الزوجة والأولاد، كل بيوت القرية واسعة جدًا وتتلاءم مع هذا الوضع، المهر بسيط وفي الأفراح يذبحون العجول ويفرقوا اللحم على الكل، انتهت موضة الطلقات النارية في الأفراح إلا قليلاً، سن الزواج المعتاد للمرأة عندهم من السادسة عشر إلى العشرين، من تتخطى العشرين لديهم فهي بدأت بالفعل سن العنوسة، والرجل إذا تأخر جدًا في الزواج فيكون قد تم الرابعة أو الخامسة والعشرين.

أُحب عم تمساح، أستمتع بالاستماع إليه والحديث معه، تريحني فلسفته في الحياة التي ربما لا يدرك أنها فلسفة من الأساس، سعادته ورضاه ينتقل إليّ بتلقائية شديدة فأشعر بالرضا عن حياتي ونفسي، عم تمساح علَّمني عمليًّا ما قرأته كثيرًا في الكتب ولم أستطع تنفيذه، علَّمنى أن أحاول الاستمتاع بما حولي، أن أحوِّل اللمون إلى سُكَّر، أن أصبح ممتنًّا دائمًا لما أنا عليه، وأن أتذكَّر دومًا أنه ما دُمت أملك طعامي وشرابي وصحتي جيدة ومطمئن على نفسي وأهلي فهذا فضلٌ عظيم، ما عدا ذلك أمور يمكن التعامل معها ببعض المرونة، يمكن مجاراتها والتعايش معها لأنه في أفضل الأحوال لن تسير حياتنا كما نهوى، أستطيع الآن أن أخرج من غرفتي، أقف تحت شمس القرية، أشعر بملمس الأرض تحت قدميّ، أشعر أني جزء من الطبيعة وأن المكان رغم صعوباتٍ كثيرة لم أحدثكم عنها يُحتمَل ولا يخلو من المَرَح، وبالطبع لو لم آتِ إلى هنا لما قابلت العم تمساح، وما أصبحت مُمتنًّا لأشياء كثيرة غابت عنِّي ورأيتها في صوتِه الطيِّب، هذا الرجل الذي سأتذكره كثيرًا في المستقبل، وسأذكر نفسي دائمًا أن أكون ممتنًّا في كل الظروف امتنان العم تمساح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.