المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رامي روحي سالم ديب Headshot

أزمة نفاياتٍ عربية.. تغلبنا أم نتغلب عليها؟

تم النشر: تم التحديث:

هل تشهد الدول العربية أزمة مشابهة لتلك التي أصابت لبنان؟ أم أن لبنان وحدها هي التي تواجه أزمة حقيقية؟ وهل من حلول لاستدراكها أم أنها غالبة لا محالة؟

تعتبر مشكلة النفايات الصلبة واحدة من أبرز المشاكل البيئية التي تواجه دولنا العربية، سواءً أكانت دولة مستقرة سياسياً واقتصادياً كالدول المصدرة للنفط أو دولة تعيش في وضع اقتصادي وسياسي غير مستقر؛ حيث تعدّ المنطقة العربية من أعلى المناطق إنتاجاً وطمراً للنفايات على مستوى العالم، سواء كان ذلك بسبب ثقافة الاستهلاك السائدة، أو بسبب عدم توافر الإمكانيات التقنية واللوجستية اللازمة للتقليل من كمية المخلفات ومعالجتها؛ إذ تشير الإحصاءات العالم العربي ينتج ما يقارب الـ100 مليون طن من المخلفات سنوياً (صورة رقم ١). ومن الجدير بالذكر أن أهمية هذه القضية لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الجانب الاقتصادي كذلك؛ حيث إن الخسائر المالية المترتبة على إهدار ما قد يعتبر موارد مفيدة للعديد من الصناعات تقدر بالملايين.

فعلى سبيل المثال،
قدّرت دراسة أجراها مركز أبوظبي لإدارة النفايات الاقتصاد الإماراتي يخسر 1.5 مليار درهم سنوياً نتيجة عدم معالجة النفايات الصلبة أو إعادة تصنيعها.

وما يدفعنا إلى فتح هذا الملف اليوم هو التوقعات المستقبلية بأن تزيد كمية النفايات في بعض الدول العربية بمعدل ٢٨٪ مقارنة بإحصائيات عام ٢٠١٥.

صورة 1: رسم توضيحي يبيّن كمية النفايات الصلبة التي يتم إنتاجها سنوياً في عدد من دولنا العربية (المصدر: حبر).

التدهور الشديد الذي يشهده هذا القطاع، والذي أوجب علينا أن نقرع ناقوس الخطر البيئي قبل أن ننجر إلى الهاوية، يعود إلى عدة عوامل؛ أول هذه العوامل هو غياب برنامج وطني شامل للتعامل مع النفايات وتقديم حلول خلّاقة لمشاكلها في معظم الدول العربية، وحيث إن تطوير وتنفيذ هذه البرامج يحتاج إلى ميزانية عالية من الجهات المعنية بالأمر، فهذا يقودنا إلى ثاني أسباب هذا التدهور وهو عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في قطاع إدارة النفايات الصلبة، فوجود الاستثمارات إلى جانب الخطة الاستراتيجية الواضحة يمكننا من خلق بيئة تساعد على إعادة التدوير إذا وجدت ثقافة التدوير في مجتمعاتنا (المحور الثالث لنظام سليم في إدارة النفايات الصلبة).

ولكن للأسف، ترسخت في مجتمعاتنا العربية ثقافة الاستهلاك والإسراف على حساب الترشيد وحماية البيئة وحسن استغلال الموارد، وهو ما أعتبره برأيي أحد أهم العوامل التي أوصلت هذا القطاع إلى حاله اليوم.

بالتالي فإن طرح الحلول لهذه الأزمة المتفاقمة يجب أن يأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار، لكن وقبل التطرق إلى المقترحات التي يمكن أن تساهم في استدراك الأمر أو التخفيف من الأثر البيئي والاقتصادي للأزمة، دعونا نتناول بشيء من التفصيل ملف إدارة النفايات في لبنان، والذي يعتبر الموضوع الأشهر عند الحديث في هذا الملف.

أزمة النفايات في لبنان

على الرغم من صغر مساحتها، تنتج لبنان أربعة آلاف طن من النفايات المنزلية يومياً (ما يقارب المليون ونصف المليون طن سنوياً) فيما تنتج بيروت وحدها ثلث هذه الكمية؛ لذلك فأزمة النفايات اللبنانية بالتأكيد لم تتفاقم بين ليلةٍ وضحاها، لكن اشتعالها في صيف عام 2015 جاء على أثر إغلاق الحكومة لمكب "النعمة" دون إيجاد خطة بديلة لجمع ومعالجة النفايات في الدولة، أدى ذلك إلى قيام البلديات بإلقاء المخلفات في مناطق عشوائية وغير مرخصة، كما توقفت الشركات الموكلة بتجميع النفايات عن القيام بعملها (صورة رقم 2).

لم يكن لدى الحكومة رؤية واضحة للخروج من الأزمة، كما لم تكن هناك ميزانية مناسبة لطرح حلول بديلة، نتيجةً لذلك فقد تراكمت النفايات في شوارع وأزقة الأحياء اللبنانية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة في معظم هذه الأحياء وخروج المواطنين في مسيرات للتعبير عن سخطهم بسبب عجز الحكومة عن توفير أبسط حقوقهم.


صورة 2: كميات كبيرة من النفايات تم التخلص منها في أحد الشوارع الرئيسية في بيروت، يوليو/تموز 2015 (المصدر: الجزيرة نت).

ليست الأزمة اللبنانية سوى مثال لما يمكن أن يصل إليه الحال لو تدهورت الأوضاع في هذا الملف البيئي في أي بلد آخر.

معظمنا سمع عن الأزمة، لكن ربما القليل منا فقط مَن تابعها بعد ذلك وتابع النجاح الذي حققته بلدية "بيت مرّي" لمعالجة الأمر، هذا النجاح في الحقيقة هو الحافز الثاني الذي دفعني للكتابة عن الأزمة اللبنانية؛ حيث قامت بلدية بيت مرّي، بالتعاون مع خبرات محلية، بإنشاء أول مركز محلي لإعادة التدوير معتمدةً بذلك مبدأ صفر نفايات.

بدأ المركز بالعمل في شهر سبتمبر/أيلول من عام 2016، ويقوم بمعالجة ما يقارب الـ15 طناً من النفايات التي يتم جمعها يومياً من أحياء البلدية؛ إذ يتم ترحيل النفايات بعد جمعها إلى المركز ليتم هناك فرز النفايات التي يمكن إعادة تدويرها ومن ثَم ترحيلها إلى معامل لاستخدامها كمواد أولية، في حين يتم تسبيخ المواد العضوية وتحويلها إلى سماد عضوي، أما الأكياس البلاستيكية فيتم فرمها وضغطها تحت درجة حرارة 180 درجة مئوية، فتتحوّل إلى ألواح بلاستيكية قابلة للاستخدام في عدة تطبيقات.

ومن الجدير بالذكر أن هذه المبادرة، القائمة على معالجة النفايات على مستوى البلدية بدون ترحيلها إلى مكبات مركزية، أدى إلى خفض التكلفة بأكثر من النصف؛ حيث إن التكلفة الحالية لكل طن هي 62 دولاراً أميركياً مقارنة بـ 152 دولاراً أميركياً كانت تتكلّفها البلدية لترحيل النفايات إلى المكبات المركزية.

وفي الوقت الذي استطاعت فيه بلدية بيت مرّي تقديم نموذج رائع في حل المشكلة، توصلت الحكومة إلى حل مؤقت للمشكلة تمثل ببناء مكبّين مؤقتين للنفايات في الشمال (برج حمود) والجنوب (كوستا برافا) لاستقبال النفايات من المحافظات اللبنانية المختلفة، ستسهم هذه المكبات بالتأكيد في التخفيف من الأزمة، لكنها لن تتعدى كونها حلاً مؤقتاً كإبرة تخديرٍ بمفعول 4 سنوات كحدٍ أقصى، وعلى الحكومة استغلال فاعليتها في استئصال المشكلة ومعالجتها بشكل أوسع لتجنب تكرارها في المستقبل.

في الجزء الثاني من هذا المقال، أود أن أسلط الضوء على ثلاث نقاط من شأنها أن تعمل على تحويل هذا القطاع من عبء مالي إلى قطاع يُسهم في تحسين البيئة وتقليل الفاتورة الحكومية وإشراك المواطنين في هذه النهضة، تترابط النقاط الثلاث بشكلٍ كبير بحيث تؤدي الواحدة منها إلى الأخرى أو تكمّلها كما سيتضح في الجزء التالي من المقال.

إشراك القطاع الخاص

يعتبر الكثير من الناس أن الخطة المثالية لإدارة النفايات الصلبة هي تلك التي تحقق أرباحاً هائلة وتغرق الدول "بالملايين".

هذا للأسف اعتقاد خاطئ، فإدارة النفايات الصلبة -كغيرها من المجالات الخدماتية الأخرى كمعالجة المياه والصحة والنقل العام- تتطلب جزءاً أساسياً من ميزانية الدولة.

صحيحٌ أنه قد يكون هناك بعض الأنشطة التي تعود بالأرباح في هذا القطاع؛ كبيع المواد التي يمكن تدويرها للمصانع، ولكن هناك أنشطة أخرى تحتاج إلى ميزانية عالية (كجمع وترحيل النفايات).

في هذا الإطار، تشير الإحصائيات إلى أن الدول العربية تصرف ما بين 20 و50% من ميزانياتها من أجل التخلص من النفايات.

في اعتقادي، فإن البرنامج الفاعل والمثالي لإدارة النفايات هو ذلك البرنامج الذي يعمل على تحسين البيئة مع الحفاظ على الفاتورة التشغيلية أقل ما يمكن وبالنظر إلى عالمنا العربي، أرى أنه من الصعب أن يتم تحقيق هذا دون إشراك القطاع الخاص. وذلك لما في إشراكه من تسهيل لعملية جلب الأموال اللازمة لتطوير هذا المجال، فالمشاريع يمكن أن تنفذ بشراكة خاصة وعامة من أجل توفير الميزانية المطلوبة دون الحاجة للاقتراض من مؤسسات مالية دولية وبمعدلات فائدة مرتفعة (ناهيك عن حرمة هذه الحلول في ديننا الحنيف).

إذاً فقد حان الوقت لتنظر الحكومات إلى القطاع الخاص كشريك في المشاريع المجتمعية التنموية، ليس فقط من أجل تحسين البيئة، بل أيضاً من أجل خلق فرص عمل، وبالتالي تحسين المستوى الاقتصادي. وهناك قصص نجاحٍ لا تحصى عن دول تعاونت مع القطاع الخاص، وتمكنت من تحقيق نقلة نوعية في مجال إدارة النفايات الصلبة عن طريق زيادة نسبة إعادة التدوير في زمن قياسي.

قوانين واضحة وجِدّيةٌ في التطبيق

اتفقنا على أن إشراك القطاع الخاص من أسس نجاح أي برنامج فعّال لإدارة النفايات الصلبة، لكن كيف سنتمكّن من إقناع المستثمرين بضخ أموالهم في مشاريع تحتاج إلى ميزانية كبيرة، في حين أن أرباحها، وإن كانت هائلة، فهي لا تتحقق إلا على المدى الطويل؟

أهم ما يحتاجه أي مستثمر هو أن يشعر بأن البيئة الاستثمارية مناسبة وآمنة وتعود عليه بالأرباح التي يريد؛ لذلك فقد كان سنّ القوانين التي تشجّع على الاستثمار في هذا القطاع ثاني النقاط المقترحة للنهوض بهذا القطاع، وبالتأكيد فإن وجود القانون دون وجود جدية في تطبيقه لا يكفي، بالتالي فإن على الدول أن تظهر جدية واضحة في تطبيق هذه القوانين والعمل على تحقيقها.

ثقافة إعادة التدوير

من النقطتين السابقتين نصل إلى النقطة الثالثة، قمنا بسنّ القوانين اللازمة وجلبنا أموال القطاع الخاص ووضعنا الاستراتيجيات والخطط الواضحة، ثم عرفنا من خلال بحثنا ورأي الكثير من الخبراء أن مشاريع إعادة التدوير هي الأبرز والأكثر جدوى من بين المشاريع الاستثمارية في هذا المجال، فماذا إن كانت ثقافة إعادة التدوير غير موجودة لدى المواطنين؟ أليس من شأن ذلك أن يفشل أي تقدم؟

على سبيل المثال، حاولت العديد من البلديات في العالم العربي الاستثمار في هذه المشاريع بتوفير حاويات لجمع المواد التي يمكن إعادة استخدامها لكنها فشلت لعدم وجود الوعي الكافي لدى السكان والغياب شبه الكامل لثقافة إعادة التدوير.

لهذا وجب علينا هنا أن نؤكد أن إعادة الاستخدام والتدوير "ثقافة" قبل كل شيء، لكن للأسف فقد ترسخت في مجتمعاتنا ودولنا العربية ثقافة الاستهلاك وعدم الاهتمام طالما أن الواحد منا لا يلمس الضرر المترتب على ذلك بشكل مباشر.

ومن هنا، وجب على الجهات المعنية أن تعمل بالتعاون مع المؤسسات التعليمية لتقديم برامج للتوعية تهدف إلى تعزيز مبادئ الاستدامة في عالمنا العربي، وتعمل على تشجيع إعادة التدوير في بيوتنا والمراكز الحكومية، وليس علينا أن ننتظر كثيراً قبل أن نبدأ؛ فنشر التوعية لن يحصل في وقت قصير (المملكة المتحدة احتاجت 15 عاماً لتنشر ثقافة الوعي بأهمية الفرز لدى شعوبها).



مبادرة صفر نفايات

إيماناً بأهمية حملات التوعية والتثقيف، قمت بالاشتراك مع مجموعة من الشباب العربي بإطلاق مبادرة صفر نفايات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتهدف هذه الحملة إلى تعزيز مفهوم "مجتمعات بلا نفايات" ومبادئ تلافي النفايات وتقليلها إلى أدنى حد، وكذلك إعادة استخدامها وتدويرها من خلال الإدارة المستدامة للموارد وفقاً للخيارات البيئية الأكثر ملاءمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.