المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رامي إبراهيم البنا Headshot

أيُّوووه أيُّوووه.. إسكندراني وبنحبّوه

تم النشر: تم التحديث:

المرة الأولى كانت بعد أن أتممت عقدي الأول من عمري بسنوات، كنت صغيراً حينها، وكنت كبقية زماني مغرماً بالسفر، خرجت مسافراً إلى زيارة أحد أقاربي بمدينة القاهرة، كانت القاهرة بالنسبة لي شيئاً عظيماً، زرتُ وتجولت في الجامع الأزهر وآثار المدينة القديمة، وأحسست بروعة التراث، لكن هذه الزيارة كانت المرة الأولى التي أكتشف فيها أنني إسكندراني الهوية والهوى، ذلك أنه بعدما قضيت ليلة عند أقاربي أصبحت أشتهي ككل مصري أصيل فطور الفول والفلافل، فنزلت من البيت في الصباح وذهبت إلى المطعم، ذلك المطعم القاهري، وقلت له دون وعي بسكندريتي وقاهرية وجودي الحالي: أريد بنص جنيه فول وفلافل، فابتسم الرجل ابتسامة، وقال لي: إنت من الإسكندرية؟، فقلت له: نعم، واضطربت في نفسي، ولم أذكر أني سألته لماذا، لكني عرفت فيما بعد أن القاهريين وعامة مصر يقولون على الفلافل "طعمية".

مما تحمله ذاكرتي أيضاً في الصغر أني في هذه الفترة عدتُ بالقطار من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان يومها بـ2٫5 جنيه -لك أن تتخيل يا مصري 2٫5 جنيه!!- وأنا راكب في هذا القطار الذي هو مشهور بضوضائه المطربة المنتظمة، كنت أحب أن أجلس بجانب الشباك؛ لأشاهد الخطوط الخضراء التي تنعش نظري تحت الشباك الخشبي، والهواء الذي يضرب أنفي فلا يساعدني على التنفس، كان بجانبي أحد الرجال من كبار السن ومحبي الحديث كثيراً، سألني عن مدينتي، فقلت له: الإسكندرية، فقال لي ما لا أنساه في حياتي: "الإسكندراني كالسمكة كما لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، فهو لا يستطيع العيش خارج الإسكندرية"، هذا ما علق في ذهني.

بعد ما خرجت من مصر وعشت بمدينة شبيهة بمدينتي الأم، وهي مدينة إسطنبول، قلت في نفسي: "أيُّووووووووه وكأن الله علم حبي للبحر والتصاقي وارتباطي به، فوهبني شقيقة لعشقي الأول"، فمدينة إسطنبول من أروع مدن العالم التي يزينها مضيق البوسفور ورحلته التي توصلك من أوربا إلى آسيا والعكس، أما أنا فأتلمس كل الأسباب لكي أعبر هذا المضيق عن طريق البحر، فبالرغم من أن هناك بدائل كثيرة عن السفينة لكي تعبر المضيق كقطار مرمراي الذي يوصلك خلال دقائق إلى آسيا والعكس والمتروبوس أيضاً وغيره، فإنني كإسكندراني لا أستطيع أن أختار بديلاً عن البحر، حتى في أشد الظروف، في أيام الشتاء وهيجان البحر وبرودة الجو وهطول الأمطار، أركب البحر لا لكي أصل إلى عمل في القارة الأخرى وإنما كي أعيش مع رفيق رقيق لا مثيل له على الأرض.

عشق الإسكندراني للبحر لا وصف له، فداخل كل إسكندراني بحر كبير، فالبحر جزء من طفولة كل إسكندراني، من الممكن أن تجرب ذلك أنت، فاسأل أي إسكندراني شاباً كان أو كبيراً في السن عن البحر وطفولته، ستجده يحكي لك دون انقطاع عن البحر.

دعني أحكي لكَ أنا شيئاً من كثير، لما فطنت للبحر في الصغر أدمنته، كنت أذهب أنا وأصدقائي في صباح كل جمعة إلى البحر، بحر استانلي وكنا نسبح فيه حتى العصر، كل جمعة مع أصدقائي، يعرف الإسكندراني وزائرو الإسكندرية أن في شاطئ استانلي (طبلية) وأن هذه الطبلية كانت إحدى عظائم شاطئ استانلي وقتذاك؛ إذ إنها تمكنك من القفز على البحر القريب وليس البحر العميق الذي كان يمكنك من القفز إليه (المنط) ذلك الذي كان يمثل لي رعباً وأنا صغير، كانت زيارة البحر والسباحة فيه جزءاً أساسياً من رحلات العيد في اليوم الثاني أو الثالث ونحن صغار، والتمشية على البحر أيضاً.

أو حينما أتحايل على أمي وإخوتي أن نذهب إلى البحر ونظل نتناقش ونتخير من بين الشواطئ، وكان الأمر غير الآن، كانت الشواطئ لنا نحن ليس لمن يدفع ويمتلك ويبني عليها مقاهي وكافيهات، كنا نذهب إلى شاطئ سيدي بشر أبو هيف أو العصافرة، أو ميامي، يا سلام!! ميامي وما أدراك ما ميامي؟! كنا أيضا نذهب إلى البحر الميت في أبو قير، تعرفون.. أنتم تتذكرون.. تذكرتم الآن؟ العدة والعتاد التي كانت تؤخذ وتؤخذ حتى الآن من البطيخ والجبن الأبيض واللب بأنواعه وهكذا، وهكذا البحر في صيفه، أما شتاؤه فجنان أخرى.

إن الحديث عن بحر الإسكندرية كبحرها حديث ليس له منتهى، أحط الآن بسفين القلم خشية من ملل الناظر، ولعلنا نشفع هذه المقالة بأخت لها تشفي عليلاً وتروي غليلاً في حب الإسكندرية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.